الأحد 18 أكتوبر 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس
يوم جديديحمل البيان المشترك الرافض لافتتاح سفارة كولومبيا في القدس أهمية سياسية وقانونية تتجاوز الاعتراض على قرار دولة بعينها. فهو يؤكد أن مكانة القدس لا تتغير بقرارات أحادية، وأن الحقوق الفلسطينية لا تسقط بفعل الأمر الواقع. وقد صدر البيان عن وزراء خارجية قطر والأردن وإندونيسيا وتركيا والجزائر وجيبوتي والسعودية والسودان والصومال وسوريا وسلطنة عُمان وفلسطين والكويت ولبنان وليبيا ومصر وماليزيا واليمن، مجدداً التمسك بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقية.ويستند هذا الموقف إلى مرجعيةٍ قانونيةٍ واضحة، وفي مقدمتها قرارا مجلس الأمن 476 و478 لعام 1980. فقد أكد المجلس بُطلان الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابع القدس ووضعها، ودعا في الفقرة 5 (ب) من القرار 478 الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية في القدس إلى سحبها من المدينة المقدسة. ومن هنا، فإن افتتاح سفارة لدى إسرائيل في القدس يمسّ مسألة سبق أن تناولها مجلس الأمن بقرار صريح، ويقتضي موقفاً دولياً يحمي مرجعية القانون ويمنع تجاوزها.
غير أن الدفاع عن هذه المرجعية يستدعي أيضاً مواجهة الإجراءات التي تستهدف الحضور الدبلوماسي لدى فلسطين. فبينما تسعى إسرائيل إلى استقطاب السفارات إلى القدس، يتعرض التمثيل الدولي المرتبط بالفلسطينيين لضغوط وقيود تمسّ قدرته على العمل. وفي تقديري، فإن قراءة هذين المسارين معاً تكشف محاولة لتعزيز التعامل مع القدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل، مقابل إضعاف الحضور الدبلوماسي الذي يخدم العلاقة مع فلسطين وشعبها ومؤسساتها.وتبرز هنا الإجراءات التي طالت القنصلية البريطانية في القدس، وما رافقها من تقليص للحضور الدبلوماسي وتغيير مسماه إلى بعثة، إلى جانب سحب الصفة الدبلوماسية من الدبلوماسيين الهولنديين العاملين في رام الله، وإلغاء تأشيرات ممثلين أستراليين لدى الفلسطينيين. وتختلف هذه الحالات في طبيعتها وتفاصيلها؛ فلا يصح اختزالها جميعاً في إغلاق قنصليات، لكنها تلتقي في فرض قيود إسرائيلية على عمل التمثيل الدبلوماسي لدى فلسطين.وتكتسب الحالة البريطانية، كما الامريكية سابقاً، حساسية خاصة بالنظر إلى تاريخ القنصلية في القدس، الذي يسبق قيام إسرائيل. وقد أكدت الحكومة البريطانية رفضها اعتبار الحكومة الإسرائيلية صاحبة حق قانوني في إغلاق القنصلية، مجددة موقفها بأن القدس الشرقية أرض محتلة. وهذا موقف يستحق إسناداً جماعياً واضحاً؛ لأن المسألة تتجاوز ترتيبات الموظفين أو تسمية المقر، إلى السؤال عن الجهة التي تملك تقرير طبيعة الحضور الدبلوماسي الدولي في أرض محتلة.كما أن أثر هذه القيود يصل مباشرة إلى الفلسطينيين. فالبعثات والقنصليات قنوات للتواصل السياسي، ومتابعة الأوضاع على الأرض، والتعاون مع المؤسسات والمجتمع المدني، وإضعاف قدرتها على العمل يقلّص وصول الدول إلى الواقع الفلسطيني، ويزيد صعوبة بناء علاقات مباشرة ومستقرة مع فلسطين. لذلك، فإن حماية هذا الحضور مسؤولية فلسطينية ودولية مشتركة، وترتبط بجدية الالتزام بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وبناء دولتهم.من هنا، أتطلع إلى أن يتبع البيان المشترك موقف جماعي بالوضوح والقوة نفسيهما، يرفض الإجراءات الإسرائيلية ضد التمثيل الدبلوماسي لدى فلسطين، ويطالب بالتراجع عنها. ويجب أن يصاحب هذا الموقف تحرك منسق مع الدول المتضررة، يحدد المطالب والخطوات اللازمة لاستعادة عمل بعثاتها، ويمنع التعامل مع كل حالة باعتبارها خلافاً ثنائياً معزولاً.وتشمل أدوات هذا التحرك استدعاء السفراء لطلب التوضيح والاحتجاج، ومراجعة مستوى العلاقات والامتيازات الدبلوماسية، واتخاذ تدابير متناسبة وفق القانون الدولي. والغاية هي تحميل حكومة الاحتلال تبعات واضحة لإجراءاتها، بدلاً من ترك الدول التي تتخذ مواقف داعمة للحقوق الفلسطينية تتحمل وحدها كلفة تلك المواقف.إن قيمة البيان المشترك تكبر حين يصبح أساساً لفعل جماعي مستمر. فحماية المكانة القانونية للقدس، وصون الحق الفلسطيني فيها، والحفاظ على التمثيل الدبلوماسي لدى فلسطين، مسؤوليات مترابطة. والمطلوب اليوم أن تترجم الدول تمسكها بالقانون الدولي إلى ممارسة دبلوماسية تحميه، وأن تقرن رفض تغيير وضع القدس برفض عزل الفلسطينيين عن العالم.
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
التعليقات (0)