الأحد 18 أكتوبر 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس
لا شيء في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني الحالي يبعث على التفاؤل. فقد بدأنا في عام 1994 تجربة التأسيس لنظام سياسي يقوم على الشرعية الانتخابية وأجرينا في مطلع عام 1996 انتخابات حرة ونزيهة نتج عنها مجلس تشريعي استطاع رغم كل المعوقات كسر قيود أوسلو وسن قوانين تتحدى تلك القيود وتخرج عن سقفها، مثل قانون القدس عاصمة فلسطين، وأسس لحياة ديمقراطية فيها ثلاث سلطات تقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات. ومع أن هذا المجلس انتُخب لفترة انتقالية تنتهي في أيار 1999، فإن تعثر المفاوضات ومماطلة إسرائيل في تنفيذ إعادة الانتشار المتفق عليها أديا إلى استمرار الفترة الانتقالية إلى مابعد 1999، فاستمر المجلس التشريعي في ممارسة دوره، وأنجز تشريع منظومة القوانين التي قامت عليها السلطة ونجح في أداء مهمة مراقبة ومساءلة الحكومات المتعاقبة، وكان ضابطاً وبوصلة لتحسين الأداء الحكومي حتى انتخابات 2006 التي فازت بها حماس بالأكثرية في المجلس.
ورغم فوز حماس بالأكثرية وتوليها الحكومة، فإنها انقلبت على نفسها في حزيران عام 2007 محاولة التخلص دموياً من حركة فتح -المنافس السياسي لها- في القطاع، وأسفر ذلك عن الفصل بين الضفة والقطاع، وظل الانفصال يتعمق ويتجذر حتى السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من كارثة وطنية بكل المعايير لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.منذ حزيران عام 2007 تلاشى حلم إقامة نظام ديمقراطي قائم على شرعية صناديق الاقتراع، وأصبحنا نعيش بدون سلطة تشريعية فاستحوذت السلطة التنفيذية برام الله وحركة حماس في غزة على صلاحيات السلطة التشريعية، وأصبح من السهل التدخل في صلاحيات السلطة القضائية، وتمأسَس نظام حكم الفرد الواحد دون مراقبة أو مساءلة برلمانية.إن من أهم مقومات الديمقراطية هو مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، وتداول السلطة من خلال صناديق القتراع، واحترام سيادة حكم القانون وتكافؤ الفرص. وكل هذه تم تغييبها منذ انقلاب 2007. ليس المقصود هنا مناكفة أو تجريح أي شخص أو حركة من طرفي الانقسام ، ولكني أقول إن الفترة من 2007 حتى اليوم هي فترة التراجع والانحسار في كل المجالات بسبب تغييب السلطة التشريعية. ولقد أدخلتنا وسيلة إصدار القرارات بقانون في فوضى تشريع نتيجة سواء استعمال المادة (43) من القانون الأساسي المعدل لعام 2003 والتي نصها:1- "لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون".وبدلاً من أن تكون هذه المادة ملاذاً استثنائياً للحالات الطارئة استُخدمت كأداة مريحة للاستيلاء على صلاحيات المجلس التشريعي من قبل السلطة التنفيذية، والدخول في فوضى التشريع والاضطرار بين الحين والآخر إلى استبدال قرار بقانون بقرار آخر أو تعديله أو الغائه أو تجميد العمل به، والذي يعرف التعقيدات الإجرائية التي تمر بها عملية تشريع القوانين من خلال البرلمانات من ورشات عمل وفلترة من خلال قراءات تمهيدية وأولى وثانية وثالثة، تشارك فيها كل الكفاءات المختصة وكل القوى السياسية الممثلة في البرلمان على تنوع برامجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يستطيع أن يعرف الفرق بين أن يتم تشريع القانون من خلال قرار بقانون أو من خلال المجلس التشريعي، أي البرلمان.فمن الواضح أن طرفي الحكم في الضفة والقطاع منذ حزيران 2007 وجدا أن من مصلحتهما تغييب المجلس التشريعي، لأن غياب المساءلة والرقابة البرلمانية أتاح لكلا الطرفين التفرد بالقرارات والحكم بدون رقيب، دون أن يدركا أن نتيجة ذلك ستكون الوقوع في أخطاء كارثية لم يكن يمكن الوقوع بها ممكن بوجود رقابة ومساءلة ومحاسبة برلمانية، وأبرز مثال على ذلك التفرد في اتخاذ القرار في الذهاب إلى هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي أستطيع أن أجزم بأنه لم يكن ليقع لو كانت هناك حكومة تخضع للمساءلة والرقابة البرلمانية، مما أدى أيضاً إلى مأسسة الفساد وتفشي المحسوبيات وتوريث المراكز والوظائف على كل المستويات وسوء إدارة المال العام. كما أدى إلى زعزعة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وترهل المؤسسات وهدر المال العام وانتشار الشائعات في وسائل التواصل الاجتماعي بحق وبغير وجه حق، مما أدى إلى إساءة سمعة الحكم، وتمادي الطرف الآخر في جرائمه وممارساته متهماً السلطة بالفساد والترويج لهذا في المحافل الدولية، التي تصلها تقارير من مبعوثيها في المنطقة عن الوضع المتداعي للحكم، مما دفعها للمطالبة بالإصلاحات التي تعيد الشرعية والمصداقية لمؤسسات الحكم، وقد وصل ذلك إلى الذروة هذه الأيام بعد صدور مرسوم تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 28 تشرين الثاني 2026 الى أيلول 2027.العشرون سنة الماضية لم تحقق أي إنجاز على طريق الاستقلال وإنهاء الاحتلال الذي كنا نحلم به، بل بالعكس أدت إلى التفريط بكثير مما تم إنجازه في السنوات العشر التي أعقبت اتفاق أوسلو. والاستمرار في نفس المنهج ونفس الأدوات ونفس طريقة التفكير لن يؤدي إلا إلى ضياع ما تبقى من الأرض والسلطة. والمطلوب من الرئيس التوصل لهذه النتيجة، وأن يقتنع بأن طريق الخلاص الوحيد هو العودة إلى الشعب والاحتكام إلى قراره. إن منهج الخوف من فقدان مقاليد الحكم، سواء من قبل الحكام أو الأحزاب الحاكمة هو المدخل للدكتاتورية، وهو الوصفة الناجعة لفقدان كل شيء.ليس سراً أن الحوار الوطني الأخير في القاهرة الذي شرعن قرار تأجيل الانتخابات لم يكن حواراً من أجل الوطن بقدر ما كان بدافع الخوف من فقدان الحكم، ومن أجل المحاصصة وتقاسم نتائج الانتخابات.المخرج الوحيد من عنق الزجاجة هو العودة للاحتكام لصناديق الاقتراع، ولا بد من عهد جديد تتغير فيه كل الأطر والمسميات التي احتكرت القرار الوطني منذ عشرات السنين، فالانتخابات النسبية في غياب قوانين أحزاب وحياة سياسية صحية هي وصفة لاستمرار هيمنة الفصائل والحركات التي احتكرت الحكم منذ عشرات السنين، وتتحمل مسؤولية كل المصائب التي نعيشها.ومن أجل إعادة البناء من الأساس، فإن أيّ انتخابات مقبلة يجب أن تكون، ولمرة واحدة فقط، انتخابات شخصية على مستوى المحافظات يختار فيها الناخبون الأشخاص الذين يثقون بهم ويعرفونهم شخصياً ليشكلوا برلماناً تأسيساً يقوم بالتأسيس لحياة سياسية من خلال تشريع قانون أحزاب جديد وتسجيل الأحزاب ببرامجها، ونطوي صفحة انتهى دورها، ونبدأ صفحة جديدة يعرف فيها كل حزب مدى شعبيته وحجمه الطبيعي على أرض الواقع ب=دون تقاسم أو محاصصة.abuzayyadz@gmail.com
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
التعليقات (0)