f 𝕏 W
من يقيس ما يتعلمه أبناؤنا؟

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 1 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

من يقيس ما يتعلمه أبناؤنا؟

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة قضية قياس التعلم الفعلي لدى الطلاب الفلسطينيين، مشيرة إلى أن النجاح الأكاديمي لا يعني بالضرورة اكتساب المعرفة والمهارات. وتستعرض نتائج اختبارات دولية ووطنية تظهر فجوات كبيرة في الكفاءات الأساسية لدى الطلاب، مما يستدعي إعادة النظر في آليات التقييم والتدخل لمعالجة هذه الفجوات.
أبرز النقاط

الأحد 18 أكتوبر 2026 8:44 صباحًا - بتوقيت القدس

في نهاية كل عام دراسي نعرف كم طالبًا تقدم للامتحانات، وكم نجح، وكم حصل على معدل مرتفع. نناقش نسب النجاح، ونحتفي بالمتفوقين، ونقارن النتائج بالأعوام السابقة. لكن ثمة سؤالًا أكثر أهمية لا يحظى بالاهتمام نفسه:كم طالبًا تعلّم فعلًا ما كان ينبغي أن يتعلمه؟ فالنجاح ليس دائمًا مرادفًا للتعلم. قد ينجح الطالب وينتقل من صف إلى آخر، بينما تنتقل معه فجوات في القراءة والفهم والحساب، وتكبر عامًا بعد عام دون أن نكتشفها في الوقت المناسب.

في الحلقات السابقة من سلسلة «هل يتعلم أبناؤنا؟»، تحدثنا عن «الدَّين التعليمي» الذي يتراكم عندما ينتقل الطفل دون إتقان المهارات الأساسية، وطرحنا في المقابل مفهوم «استرداد التعلم»: أن نشخّص ما لم يتعلمه الطفل، ونتدخل لمعالجته، ثم نقيس مقدار التحسن. وفي الحلقة الماضية سألنا: هل يستطيع طفلنا في العاشرة أن يقرأ ويفهم؟واليوم نصل إلى السؤال الذي يسبق أي إصلاح جاد: من يقيس ما يتعلمه أبناؤنا؟ وكيف نعرف أن ما نفعله في التعليم يحدث فرقًا حقيقيًا؟نتائج PISA 2025 قدمت إنذارًا يصعب تجاهله. فقد بلغ الحد الأدنى للكفاءة في القراءة 22% فقط من الطلبة الفلسطينيين المشاركين، وفي الرياضيات 17%، وفي العلوم نحو 24%. وشمل التقييم 9,648 طالبًا وطالبة من 319 مدرسة، مع حدود في التغطية ينبغي مراعاتها، ولذلك لا يجوز تعميم نتائجه على جميع الأطفال الفلسطينيين، وخصوصًا أطفال غزة.لكن الرسالة التي تحملها هذه الأرقام تبقى ثقيلة: هناك فجوة بين عدد السنوات التي يقضيها الطالب في المدرسة، وما يمتلكه بالفعل من كفايات عند الخامسة عشرة.وليست PISA أداة القياس الوحيدة. فقد ناقشت وزارة التربية والتعليم العالي مطلع هذا العام نتائج التقويم الوطني 2025، الذي تناول عددًا من المباحث والمراحل الدراسية، وأظهر تراجعًا في متوسطات التحصيل في عدد منها مقارنة بأعوام سابقة.إذن، المشكلة ليست أننا لا نقيس، بل في السؤال الأصعب: ماذا نفعل بعد أن نقيس؟ هنا تحديدًا تظهر الحلقة التي ينبغي استكمالها بين القياس والتشخيص والتدخل وإعادة القياس.لقد اعتدنا في التعليم أن نقيس ما يسهل عده: المدارس، والغرف الصفية، والمعلمين، والأجهزة، والحصص، والدورات التدريبية. وكلها مؤشرات ضرورية، لكنها تخبرنا غالبًا بما أدخلناه إلى النظام التعليمي، وليس بالضرورة بما خرج به الطفل منه.يمكن أن ندرب ألف معلم، لكن السؤال الأهم: هل تحسن تعلم طلبتهم؟ ويمكن أن نوفر آلاف الأجهزة ومصادر التعلم، لكن هل أصبح الطفل أكثر قدرة على القراءة والفهم والحساب والتفكير؟ليس كل ما ندخله إلى التعليم يتحول تلقائيًا إلى تعلّم.ولافت أن هذا السؤال أصبح اليوم جزءًا من نقاش تربوي فلسطيني أوسع. ففي 14 تشرين الأول الجاري، ناقش الائتلاف التربوي الفلسطيني نتائج PISA 2025 في ندوة شارك فيها ممثلون عن وزارة التربية والتعليم العالي وأكاديميون وباحثون وتربويون.وكانت نقطة الانطلاق مهمة: الحق في التعليم لا يقتصر على الالتحاق بالمدرسة، وإنما يشمل الحق في التعلم الجيد والمنصف.وذهب النقاش أبعد من تفسير نتائج اختبار دولي، إلى مساءلة السياسات والحوكمة والموارد والعدالة التعليمية والعلاقة بين المدرسة والمجتمع. كما برزت الدعوة إلى ربط المساءلة والتحسين المؤسسي بنتائج التعلم الفعلية، بدل الاكتفاء بالمؤشرات الإجرائية والشكلية.وهذا، في تقديري، هو جوهر التحول المطلوب. فحتى المشاريع الواعدة في المناهج ومصادر التعلم المفتوحة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن نقيس نجاحها بعدد الأجهزة والمنصات والمدارس المشاركة فقط. يجب أن نعود في النهاية إلى الطفل ونسأل: ماذا تغير في تعلمه؟ومن هنا أقترح تطوير ما طرحناه سابقًا حول «استرداد التعلم» إلى منظومة وطنية لقياس التعلم واسترداده، لا جهازًا بيروقراطيًا جديدًا، بل منهج عمل يربط الأدوات الموجودة في مسار واحد:نقيس، نشخّص، نتدخل، نعيد القياس، ثم نطوّر. نبدأ من المهارات الأساسية، وخصوصًا القراءة والفهم والحساب في الصفوف الأولى. ونستخدم تقييمات تشخيصية قصيرة ومنتظمة تساعد المدرسة والمعلم على اكتشاف الطفل المتعثر مبكرًا، قبل أن تتحول فجوة صغيرة إلى دَين تعليمي يرافقه سنوات.ثم يأتي التدخل وفق مستوى الطفل الحقيقي، لا وفق الصف المكتوب على شهادته فقط، وبعد فترة محددة نعيد القياس. وعندها يتغير تعريف النجاح. بدل أن نسأل فقط: كم حصة نفذنا؟ وكم معلمًا دربنا؟ وكم حقيبة وزعنا؟ نسأل: كم طفلًا كان متعثرًا؟ كم منهم تحسن؟ وبأي مقدار؟وفي الحالة الفلسطينية، يجب أن يكون القياس عادلًا للسياق أيضًا. ففي الضفة الغربية لا يمكن تجاهل أثر الحواجز والانقطاع واضطراب الدوام. وفي غزة، بعد الحرب والنزوح والانقطاع الطويل عن التعليم، لا تكفي اختبارات الصفوف التقليدية؛ فالمطلوب أولًا معرفة المستوى الحقيقي للطفل، ثم بناء مسار يساعده على استرداد ما فاته.فالعدالة التعليمية لا تعني أن نقدم الشيء نفسه لكل الأطفال، وإنما أن يحصل كل طفل على ما يحتاجه لكي يتعلم.وقد طرحت ندوة الائتلاف فكرة تستحق التوقف عندها: مرجعية وطنية استراتيجية وميثاق وطني للتعليم يضمنان استقرار السياسات واستمرار الإصلاح بعيدًا عن تغير الإدارات والقيادات. فالتعليم لا يحتمل أن نبدأ من جديد كلما تغير مسؤول أو حكومة، نتائجه تحتاج إلى سنوات من التراكم والاستمرار.لكن أي ميثاق أو استراتيجية يحتاجان إلى مرآة نرى فيها نتائجنا بصدق.لذلك أقترح أن يصدر سنويًا «تقرير حالة التعلّم في فلسطين»، إلى جانب الإحصاءات التعليمية المعتادة، يجيب ببساطة عن ثلاثة أسئلة: كم طفلًا بلغ المهارات الأساسية المطلوبة؟ كم طفلًا تحسن بعد تدخلات استرداد التعلم؟ وأين ما زالت الفجوات التعليمية الأكبر؟ولا ينبغي أن نخشى النتائج إذا كانت ضعيفة. فالرقم السيئ ليس إدانة للتعليم الفلسطيني، إنه بداية معرفة ما يجب إصلاحه.الخطر الحقيقي ليس أن نكتشف ضعف التعلم، بل أن نكتشفه ثم لا يتغير شيء. ولا نريد مزيدًا من الاختبارات من أجل الاختبارات، ولا مدرسة تعيش تحت ضغط القياس المستمر. المطلوب عكس ذلك تمامًا: أن نجعل القياس في خدمة التعلم، لا التعلم في خدمة القياس.لقد دافعنا طويلًا عن حق الطفل الفلسطيني في الوصول إلى المدرسة، وسيبقى هذا الحق معركة يومية في ظل واقعنا. لكن علينا أن نضيف إليه حقًا لا يقل أهمية: حق الطفل في أن يتعلم فعلًا، وأن نكتشف مبكرًا عندما لا يتعلم، وأن نصل إليه قبل أن تكبر الفجوة معه.ولذلك، عندما ينتهي العام الدراسي المقبل، لا يكفي أن نسأل: كم مدرسة افتتحنا؟ وكم معلمًا دربنا؟ وكم جهازًا وفرنا؟هناك سؤال أصعب، لكنه أكثر صدقًا: كم طفلًا كان عاجزًا عن القراءة والفهم والحساب في بداية العام، وأصبح قادرًا عليها في نهايته؟إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال بأرقام موثوقة، نكون قد بدأنا الانتقال من إدارة التعليم إلى إدارة التعلّم.فما لا نقيسه جيدًا يصعب إصلاحه، وما نقيسه ثم لا نتدخل لمعالجته، لا نكون قد أنصفنا أبناءنا.

صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)