الأحد 18 أكتوبر 2026 8:46 صباحًا - بتوقيت القدس
دخلت قاعة جامعة الزيتونة للعلوم والتكنولوجيا في سلفيت وأنا أحمل محاضرة جاهزة، وخرجت منها وأنا أحمل أسئلة أكبر منها، قبل أن أبدأ الحديث عن النماذج والخوارزميات كانت عيون الطلبة قد سبقتني إلى ما هو أهم: إلى الأرض التي يقفون عليها والناس الذين يعرفونهم بأسمائهم.كانت القاعة ممتلئة بطلبة الذكاء الاصطناعي والروبوتات، توقعت أن أسمع عن تطبيقات عامة وأفكار مستوردة، فإذا بي أمام شبابٍ يتحدثون عن مشكلاتٍ لا يقرؤون عنها في الكتب، بل يرونها حين يفتحون أبواب بيوتهم صباحاً.
بدأت أحدى الطالبات حديثها عن المزارعين، وكيف يخسرون أحياناً الموسم لأن المرض يصيب الشتلات قبل أن ينتبه إليه أحد، أو لأن الري يتم بالتخمين لا بالحاجة الفعلية للتربة. هذه الطالبة تريد بناء نظام يقرأ صور أوراق الشجر أو المزروعات ويكشف المرض مبكراً، مع اقتراح موعد الري وكميته بناءً على رطوبة الأرض وحالة الطقس ولم تتحدث عن «ثورة زراعية»، بل عن موسم زراعي لا تريد للمزارع أن يخسره مرةً أخرى ويذهب النقاش عميقاً حول اقتراح انتاج جهاز روبوت يساعد في قطف محصول الزيتون أو عصره مثلاً.وقف طالب آخر ليحدثني عن مشكلة تؤرق الأهالي في قراهم: الكلاب الضالة التي باتت تهدد الأطفال في طريقهم إلى المدارس. فكرته أن يصمَّم منظومة ذكية تخافظ على سلامة الأطفال قبل أن تقع الكارثة لا بعدها، توقفت عند هذه الفكرة طويلاً، لأن خلفها قلب أمٍّ وأختٍ قبل أن تكون خلفها خوارزمية، هنا تحديداً تتحول التقنية إلى حماية.ثم جاءت مجموعة أخرى بمشروع مختلف في ملامحه، عميق في معناه: منصة تروّج للأعمال اليدوية الفلسطينية الأصيلة، وتربط الحرفيات والحرفيين بالأسواق دون وسطاء يبتلعون التعب، تحدثوا عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين عرض المنتجات وتوليد الصور والفيديوهات بطرق احترافية بعدة لغات وفهم ذوق المشتري، كي لا تبقى الحرفة الجميلة حبيسة بيتٍ صغير في قرية بعيدة.وأكثر ما أدهشني مشروعٌ يسعى لحماية الموروث الثقافي الفلسطيني: توثيق الأمثال الشعبية والحكايات وأنماط التطريز واللهجات المحلية بالذكاء الاصطناعي قبل أن تتلاشى مع رحيل كبار السن. أدركت حينها أن التقنية قد تكون أيضًا شكلاً من أشكال الصمود.ما جمع هذه المشاريع كلها أنها لم تبدأ من سؤال «ما الجديد في عالم الذكاء الاصطناعي؟»، بل من سؤال «ما الذي يوجع الناس عندنا؟»، وهذا، في تقديري، هو الفارق بين تقنيةٍ تصنع أثراً وتقنيةٍ تصنع ضجيجاً.نعيش في زمن تُرفع فيه شعارات الذكاء الاصطناعي في كل مؤتمر وعلى كل لافتة، وتُكتب فيه «الاستراتيجيات» أكثر مما تُبنى الحلول ولكن المزارع في حقله لا يعنيه أن نقول له إننا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، بل يعنيه أن يصله إنذار قبل أن يموت محصوله، والأم لا تعنيها المصطلحات، بل تعنيها سلامة طفلها، والحرفية لا تحتاج شعارات عن «التحول الرقمي»، بل زبوناً يصل إلى منتجها، المقياس الحقيقي لأي تقنية هو حياة إنسان تغيّرت نحو الأفضل.وأقول للطلبة ما قلته لهم اليوم: لا تنتظروا الفرصة المثالية ولا الدعم الكبير لتبدؤوا، ابدؤوا بنموذج صغير يحل مشكلة صغيرة لشخص واحد، ثم وسّعوه، المشاريع العظيمة تبدأ غالباً بمشكلة حقيقية يراها شخص لا يقبل أن يتجاهلها، وتذكروا أن ما يميزكم عن غيركم في أي مكان في العالم هو أنكم تعرفون المشكلة من الداخل: تعرفون رائحة الأرض ووجوه الناس وتفاصيل المعاناة، وهذه المعرفة لا تُشترى ولا تُستورد.وأقول للجامعات والمؤسسات والشركات: استثمروا في هؤلاء الشباب، لا بالكلمات بل بالمختبرات والبيانات والتدريب والشراكات الحقيقية، إن موهبةً تنبت من أرضها وتخدم أهلها تستحق أن نمنحها كل ما نملك.غادرت سلفيت اليوم وأنا مؤمنً بأن مستقبل التكنولوجيا في فلسطين لن يُصنع في العواصم البعيدة وحدها، بل في قاعات صغيرة وأيدٍ شابة، تؤمن بأن الذكاء الاصطناعي لا قيمة له إن لم يكن في خدمة الإنسان.فلنحوّل الشعارات إلى حقول أكثر خضرة، وطرقٍ أكثر أماناً، وحرفٍ أكثر حضوراً، وذاكرةٍ أكثر بقاءً، هذا هو الذكاء الذي نريده: ذكاءٌ له جذور في الأرض وثمرٌ في حياة الناس.* المؤسس والمدير التنفيذي لشركة أقلمة لخدمات الذكاء الاصطناعي.
صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)