في أعقاب السابع من أكتوبر، زاد حديث نتنياهو عن إسرائيل التي تغيّرت، وعن الانتقال من سياسة الاحتواء إلى المبادرة والهجوم، وعن نقل خطوط الدفاع إلى أراضي الخصوم بدلًا من انتظار الخطر داخل الحدود، لم يعد الأمر، وفق هذا المنطق، مجرد استعادة للردع بعد ضربة قاسية، بل تحوّلًا في تعريف الأمن نفسه: من حماية الدولة إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها بالقوة، ومن الاستعداد للحرب إلى جعلها احتمالًا دائم الحضور في الحسابات السياسية والعسكرية.
هذا التحول هو ما يحاول تامير هايمان، الرئيس التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، قراءته في دراسته المنشورة في 12 أكتوبر 2026، التي يستخلص فيها عشرة مبادئ يمكن الاستدلال عليها من الممارسة الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، ويقدمها باعتبارها قراءة تحليلية تهدف إلى كشف التحولات التي قد تكون أخذت تتسلل إلى التفكير الأمني والهوية السياسية الإسرائيلية.
أول هذه المبادئ تقديم الهوية اليهودية على الديمقراطية، بحيث تصبح المحافظة على الطابع اليهودي للدولة أولوية تتقدم على القيم الديمقراطية وحقوق الآخرين، وثانيها التعامل مع السلام بوصفه وسيلة مؤقتة لتحقيق المصالح، لا غاية في ذاته، انطلاقًا من عدم الرغبة في التوصل إلى تسويات دائمة مع العرب، ومن هذا المنطق، لا تعود الحرب استثناءً ينبغي تجنبه، بل تتحول إلى حالة مستمرة، فيما تصبح التسويات محطات مؤقتة لا تنهي الصراع ولا تعالج أسبابه.
أما المبدأ الثالث، فيتصل بالتعامل مع الدول العربية باعتبارها كيانات هشة قابلة للتفكك، بحيث لا يُنظر إلى استقرارها بالضرورة بوصفه مصلحة إسرائيلية، ويتصل بذلك المبدأ الرابع، وهو توسيع مفهوم الدفاع إلى ما وراء الحدود، من خلال إقامة مناطق أمنية في أراضي الخصوم، وتثبيت الوجود العسكري والاستيطاني في مناطق الاحتكاك، بدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن الحدود المعترف بها، وهكذا يصبح العمق الجغرافي للدول الأخرى جزءًا من الحساب الأمني الإسرائيلي، وتتحول أراضيها وسكانها إلى عناصر في معادلة الأمن الإسرائيلي، حتى لو كان الثمن مزيدًا من عدم الاستقرار والدمار.
ويشمل هذا التصور أيضًا المبدأ الخامس، المتمثل في تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، انطلاقًا من الاعتقاد بأن التحالفات الخارجية متغيرة وتحكمها المصالح، وأن إسرائيل ينبغي أن تعتمد أساسًا على قدراتها الذاتية، أما المبدأ السادس، فيتمثل في تفضيل المبادرة الهجومية والحرب الاستباقية على الاكتفاء بالدفاع والردع التقليديين، بما يتيح، وفق هذا التصور، فرض الوقائع قبل أن يفرض الخصم وقائعه، ويعني ذلك توسيع نطاق التهديد ليشمل الأخطار المحتملة والمستقبلية، لا الأخطار القائمة وحدها، وهو ما قد يجعل استخدام القوة خيارًا متكررًا كلما توقعت إسرائيل تغيرًا في ميزان القوى.
ويتمثل المبدأ السابع في توسيع دور المستوطنين والمدنيين في المنظومة الأمنية، بحيث لا يعود الاستيطان مجرد مشروع أيديولوجي أو ديمغرافي، بل يتحول إلى أداة لتثبيت السيطرة وخلق وقائع يصعب التراجع عنها، ويكتمل هذا الجانب بالمبدأ الثامن، وهو السعي إلى الاستقلال الصناعي والتكنولوجي في مجالات السلاح والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، لتقليل الارتهان لسلاسل التوريد والشراكات الخارجية، وتعزيز القدرة على مواصلة العمليات العسكرية حتى في ظل تغير المواقف الدولية أو تراجع الدعم الخارجي.
التعليقات (0)