لم ولن ندخل في سباق تسلّحٍ مع إسرائيل، التي تمتلك أقوى وأحدث جيشٍ في الشرق الأوسط، وفوقه تمتلك سلاحاً نووياً.
ولم ولن ندخل في مباراةٍ اقتصادية وهي التي تفوق ميزانيتها بعشرات أضعاف ميزانيتنا الفقيرة ومحدودة الموارد حدّ الوقوف على حافة الإفلاس.
مواردنا تتعرض لقرصنةٍ يوميةٍ من سرقةٍ مباشرةٍ بقراراتٍ حكومية، وإعاقة مسار حياتنا وتعطيل مؤسساتنا الإنتاجية على محدوديتها، ومداهمة مدننا وقرانا وحرق مركباتنا واقتلاع أشجارنا، وتقطيع أوصال بلدنا بمئات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية المغلقة، إلى جانب حرب الإبادة على غزة واستمرار إغلاقها على مرأى ومسمع العالم الذي يتضامن عن بعد، ويعجز عن مدّ يد المساعدة ولو بالحدود الدنيا، بما في ذلك تظاهر الدولة الأعظم بعدم القدرة على فعل شيء، وهي صاحبة التوكيل الإقليمي والدولي في معالجة أمر غزة.
الفلسطينيون ومنذ بداية نكبتهم وعلى مدى الحروب الكبيرة والكثيرة، التي خاضتها إسرائيل ضدهم سواءٌ على أرض الوطن أو في المنافي القريبة والبعيدة، قرروا وبصورةٍ جماعيةٍ أن ينتجوا صموداً نادراً في وجه هذا الذي يُعمل فيهم، إذ حوّلوا أيامهم وفصول سنواتهم إلى مواسم كفاحية، لم ولن تستطع قوة إسرائيل الغاشمة السيطرة عليها، أساسها تعزيز وتجذّر البقاء على أرض الوطن وبناء الحياة عليه.
من المواسم الكفاحية التي نعيشها هذه الأيام موسم الزيتون، حيث لم يعد القطاف الصعب مجرد عملٍ انتاجي، يشكّل رافداً حيوياً من روافد اقتصادنا وحياتنا، بل إنه موسمٌ كفاحي يدرك الإسرائيليون قبل غيرهم مغزاه الوطني والتراثي، لهذا يسيّرون قطعانهم الهمجية لاقتلاع أشجاره وسرقة ما أمكن من محصولها، ومنع المواطنين من الوصول إليها، ولا يخجل المستوى السياسي في إسرائيل من أن يحوّل الجيش المسلّح حتى الأسنان إلى حارسٍ على لصوص الزيتون وحارقي السيارات ومقتلعي الأشجار، لهذا ورغم الألم الذي تنتجه حرب إسرائيل على الزيتون الفلسطيني، فإن الموسم وإن خسر بعض إنتاجه، إلا أنه يتجدد كل عام بصراعٍ دامٍ بين اللحم العاري وآلة الحرب الأشد فتكاً، وليس موسم الزيتون وحده في حياتنا، بل مواسم أخرى توازيه في الفاعلية والصمود الوطني... أفواج الخريجين الذين نحتفل بهم كل عام، وأفواج المصلّين في الأقصى الذين يأتون من كل حدبٍ وصوب، لإثبات ملكيته الفلسطينية في موسمٍ أسبوعي دون أن يخلو المسجد المقدس من حرّاسه كل يوم، وموسم الأعراس الجماعية الذي بدأ كظاهرةٍ من غزة، ليمتد إلى الضفة، وموسم الانتخابات المحلية الذي تشارك فيه الملايين تحت شعاراتٍ ومضامين وطنية، وموسم القادمين إلى الوطكن من المنافي القريبة والبعيدة.
صحيحٌ أن الألم يعتصر قلوبنا كلما اقتلعت قطعان المستوطنين شجرة زيتون، أو قتلت صبياً أو أحرقت بيتاً أو استولت على أرضٍ لإقامة مزرعة استيطانية عليها، ولكن ذلك لن يمنع الفلسطينيين عن زراعة عشرات الأشجار بديلاً عن التي اقتلعت، كما لن يمنع الفلسطينيين في الموسم القادم لقطاف الزيتون من أن يحموا أشجارهم وثمارهم بتضامنٍ وتكافلٍ شعبي، بمشاركاتٍ جماعيةٍ في القطاف.
التعليقات (0)