في قلب الدمار الذي خلفه العدوان المستمر على قطاع غزة، تبرز قصص إنسانية تتجاوز حدود العمل المهني لترسم ملامح التضحية. الطفلة مريم، التي لم تتجاوز العامين والنصف من عمرها، وجدت نفسها محاصرة بين ألسنة اللهب والركام داخل شقة سكنية استهدفها قصف إسرائيلي في المناطق الغربية لمدينة غزة، حيث لم يكن هناك سوى صرخاتها دليلاً للمنقذين.
الصحفي الفلسطيني علي الجعفراوي، الذي كان حاضراً لتوثيق الجريمة، وجد نفسه أمام خيار مصيري حين سمع استغاثة الطفلة من داخل الغرفة المشتعلة. وبدون تردد، قرر الجعفراوي ترك كاميرته ومعدات التصوير جانباً، مندفعاً نحو النيران في محاولة يائسة لإنقاذ الروح الصغيرة التي كانت تحاصرها النيران من كل جانب.
تروي مصادر محلية تفاصيل المأساة التي وقعت في قرابة الساعة الرابعة فجراً، حين استهدفت مروحية تابعة لجيش الاحتلال من طراز «أباتشي» شقة سكنية في محيط مجمع الشفاء الطبي. هذا الاستهداف المباشر حول حياة العائلة إلى جحيم، حيث كانت والدة مريم تقيم مع طفلتها في تلك الغرفة التي استحالت كتلة من اللهب والرماد.
أسفر القصف الغادر عن استشهاد والدة مريم على الفور متأثرة بحروقها البالغة، بينما سقطت الطفلة عن سريرها لتستقر وسط النيران المشتعلة. وقد وصلت فرق الإنقاذ الشعبية والمتطوعون إلى المكان في ظل غياب طواقم الدفاع المدني خلال الدقائق الأولى، ليجدوا مريم وهي تصارع الدخان الكثيف والحرارة المرتفعة.
يصف الجعفراوي اللحظات العصيبة قائلاً إنهم شرعوا في إزاحة قطع الأثاث المحترقة والحجارة المتساقطة للوصول إلى مصدر الصوت. وعندما عثر عليها، كانت مريم تجلس وحيدة وسط الرماد، فما كان منه إلا أن انتشلها واحتضنها بقوة، مسلماً إياها للأهالي المتجمهرين عند باب الغرفة قبل أن تلتهم النيران المكان بالكامل.
القدر كان رحيماً بمريم، فبعد نحو دقيقة واحدة فقط من إخراجها، انهار الفراش الذي كانت تجلس عليه والتهم الحريق ما تبقى من الغرفة. نُقلت الطفلة على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي العلاج، حيث تبين إصابتها بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة شملت وجهها وظهرها وأطرافها، مما استدعى رعاية طبية مكثفة.
التعليقات (0)