بينما تمثل الملوحة المرتفعة خطرا على معظم النباتات، فإن نبات الساليكورنيا، أو ما يعرف بـ "الهليون البحري"، اختار العيش في المكان الذي تهرب منه معظم المحاصيل، حيث ينمو وسط الملح في المستنقعات الساحلية والسهول الطينية ومناطق المد والجزر، بل ويمكن لبعض أنواعه أن تعيش في بحيرات ملحية داخلية، بعيدا عن البحار.
ويستطيع هذا النبات تحمل تركيزات من الملح "كلوريد الصوديوم" تتجاوز 200 مليمول لكل لتر، أي ما يعادل نحو 12 ألف جزء في المليون، وهي مستويات قاتلة لكثير من النباتات الأخرى.
وبعيدا عن أن هذا النبات يحمل في حد ذاته قيمة غذائية، إذ تُستهلك سيقانه الغضة خضارا طازجا، وتحتوي بذوره على زيوت ومكونات غذائية، فإن الفائدة المرجوة منه تتجاوز ذلك، إذ إن فك شفرة جينومه، الذي يمنحه هذه القدرة الاستثنائية، قد يساعد على تطوير زراعة أقل اعتمادا على المياه العذبة، وهذا ما سعى إليه فريق بحثي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بالسعودية.
وخلال الدراسة المنشورة في دورية "نيتشر كومينيكيشنز" ، استعان الباحثون بتقنيات التسلسل الجيني والتحليل المقارن، لفهم كيفية تطور هذا الجنس النباتي وتكيفه مع البيئات شديدة الملوحة، ولم يكتفوا بفحص نوع واحد، بل أنشؤوا تسلسلات مرجعية عالية الجودة للجينوم على مستوى "الكروموسومات " لستة أنواع من الساليكورنيا، كما حللوا التنوع الوراثي في 318 عينة وراثية، جُمعت من 13 دولة، بما أتاح مقارنة مجموعات نباتية تنمو في بيئات جغرافية ومناخية مختلفة.
ساعدت هذه المنهجية العلماء على اكتشاف مفاجآت حول تاريخ الجينوم نفسه، إذ تبين أن بعض سلالات الساليكورنيا لم تكتف فقط بتطوير جينات تساعدها على التعامل مع الملح، بل شهدت أيضا تغيرات واسعة في حجم الجينوم وتركيبه.
وقبل الخوض في تفاصيل هذه الاكتشافات، يتعين علينا في البداية فهم المشكلة التي تواجه النبات عندما ترتفع ملوحة التربة أو مياه الري، فعندما تزداد الأملاح الذائبة حول الجذور، يصبح امتصاص الماء أكثر صعوبة، حتى عندما تكون التربة رطبة، وتُعرف هذه المشكلة باسم "الإجهاد الأسموزي"، وفي الوقت نفسه، قد يؤدي تراكم بعض الأيونات، مثل الصوديوم، إلى اضطراب العمليات الخلوية والإضرار بالأنسجة.
التعليقات (0)