تواجه محافظة السويداء السورية، ذات الأغلبية الدرزية، واقعاً سياسياً واقتصادياً معقداً منذ انهيار نظام الأسد في أواخر عام 2024. ورغم خروج المنطقة عن سيطرة الحكومة المركزية وتولي 'الحرس الوطني' بقيادة الشيخ حكمت الهجري إدارتها، إلا أن طموحات الحكم الذاتي تصطدم بجغرافيا قاسية تفتقر للموارد الطبيعية والمياه والإنتاج الزراعي القابل للتصدير، مما يجعلها كياناً غير قابل للاستدامة ذاتياً.
لقد أفرزت مرحلة ما بعد الأسد تحديات أمنية دامية، حيث شهدت المنطقة مجازر طائفية مروعة في يوليو 2025 أسفرت عن استشهاد نحو 1700 مدني درزي إثر تدخل قوات من خارج المنطقة دعماً لعشائر بدوية. هذا العنف دفع بالقيادة الروحية للدروز إلى الاحتماء بفلول الأجهزة الأمنية السابقة وتشكيل قوة شبه عسكرية، مما عمق العزلة بين المحافظة والعمق السوري في دمشق.
اقتصادياً، تحولت السويداء إلى ممر لتهريب المخدرات والكبتاغون والأسلحة نحو الأردن، خاصة بعد حظر الحكومة الانتقالية لهذه الأنشطة في بقية البلاد. ويعتمد 'الحرس الوطني' حالياً على عوائد هذه التجارة غير القانونية، بالإضافة إلى تدفقات مالية من جهات إسرائيلية، وهو ما يضع المنطقة في مواجهة مباشرة مع الجوار العربي الذي يرفض قيام كيان يعتمد على التهريب.
الموقف الإقليمي يبدو حاسماً في إجهاض أي تحرك انفصالي، إذ يرى الأردن أن قيام دولة درزية سيعيق وصوله المباشر إلى العاصمة دمشق ويؤثر على أمنه الحدودي. كما يخشى لبنان من أن تؤدي أي سابقة للحكم الذاتي الطائفي في سوريا إلى زعزعة الاستقرار الهش بين طوائفه المختلفة، مما يجعل الدعم الخارجي لمشروع الهجري شبه معدوم دولياً.
أما الموقف الإسرائيلي، فرغم تقديمه الدعم المالي والإعلامي للهجري، إلا أنه يواجه معضلة جغرافية وديموغرافية تمنعه من ضم السويداء رسمياً. فإقامة منطقة عازلة تتطلب السيطرة على محافظة درعا ذات الأغلبية السنية، وهو أمر يضع تل أبيب أمام خيارين أحلاهما مر: إما ضم سكان يعادونها بشدة أو ارتكاب عمليات تهجير قسري واسعة النطاق.
داخلياً، بدأت بوادر التململ الشعبي تظهر بين الشباب الدروز نتيجة العزلة والفقر المدقع وغياب الفرص التعليمية. وقد تجلى ذلك بوضوح في يونيو 2026، عندما تعذر على آلاف الطلاب التقدم للامتحانات الوطنية، مما أثار احتجاجات غاضبة ضد القيود المفروضة على الحركة بين السويداء ودمشق، سواء كانت من قبل الفصائل المحلية أو القوات الحكومية.
التعليقات (0)