حين تتعطل سلاسل الإمداد، وتغلق أمام المزارعين أبواب الوصول إلى مستلزمات الإنتاج، يبرز سؤال ملحّ: كيف تؤمّن الأسر الفلسطينية غذاءها في أوقات الشدة؟ ويزداد السؤال إلحاحاً حين تعجز الأسر التي فقدت مصادر دخلها من العمل داخل الخط الأخضر عن تلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل القيود المرتبطة بسياسات الاحتلال.
في هذه الظروف، تبرز أهمية الاقتصاد المقاوم وتبنّي الزراعة المحلية المعتمدة على البذور البلدية، بوصفهما من الوسائل التي يمكن أن تعزز صمود المجتمع وتسهم في حماية الأمن الغذائي الوطني. ورغم أن الزراعة المحلية لا تستطيع وحدها حلّ أزمة الغذاء، فإنها توفر مورداً محلياً مهماً، وتدعم قدرة الناس على مواجهة نقص الغذاء واضطراب الإمدادات.
ففي الأراضي الفلسطينية المحتلة، شهدت الانتفاضة الأولى ما عُرف بـ«الاقتصاد المقاوم». ويُعنى هذا المفهوم بقدرة الأسر الفلسطينية والمجتمعات المنتجة على تأمين جزء من احتياجاتها الغذائية وتوفير مصادر دخلها اليومية. كما يعزز قدرتها على التعافي من آثار القيود المرتبطة بسياسات الاحتلال، بالاعتماد على مواردها ومعارفها وخبراتها المحلية وروابط التبادل. وفي السياق ذاته، تطرح ورقة سياسات صادرة عن شبكة السياسات الفلسطينية مفهوم «السيادة الغذائية» بوصفه امتداداً للاقتصاد المقاوم. وتعرّف الورقة السيادة الغذائية بأنها حق الشعوب في غذاء صحي وملائم ثقافياً، وفي تحديد نظمها الغذائية والزراعية (الشبكة، 2024).
تبدأ القدرة على الصمود بإدراك الأهمية الاستراتيجية للبذور البلدية، بوصفها جزءاً أصيلاً من مواردنا الزراعية وتراثنا المعرفي. فالأصناف المحلية ليست بالضرورة متجانسة أو ثابتة الخصائص؛ بل هي موارد نباتية تشكّلت وتطورت عبر الزمن في بيئاتها المختلفة، نتيجة التفاعل بين خصائصها الوراثية وممارسات المزارعين في انتقائها وإدارتها. وتنبع أهمية هذه البذور من تنوعها الوراثي، ومن الخبرات المتوارثة عبر الأجيال في اختيارها وحفظها، فضلاً عن قدرتها على التكيّف مع الظروف المحلية. كما تمثّل الموارد الوراثية الوطنية ركيزة مهمة لتوسيع خيارات التكيّف مع التغيرات المناخية ودعم الإنتاج الزراعي المستدام (كاساناس وآخرون، 2017). وفي نظم البذور المحلية، يختار المزارع جزءاً من محصوله ليحفظه للموسم التالي، أو يتبادله مع مزارعين آخرين. وهكذا تستمر دورة إنتاج البذور البلدية وحفظها وتداولها من موسم إلى آخر، بما يسهم في صون التنوع الزراعي وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الاعتماد على مواردها.
على سبيل المثال، تعتبر سلالة الأغنام المحلية المعرفة باسم «العواسي» جزءاً مهماً من أصولنا الوراثية. وقد استخدمت مادتها الوراثية في تطوير سلالة مهجنة تعرف باسم «العساف»، وتتميز بإنتاجية أعلى من اللحوم والحليب، وبذيل نحيف قليل الدهون. واليوم، نضطر إلى شراء هذه السلالة من المزارع ومحطات التربية الإسرائيلية. وتوضح هذه الحالة أهمية الحفاظ على مواردنا الوراثية المحلية وحمايتها من الاستنزاف والتبعية للخارج. فهذه الموارد ثروة استراتيجية لا ينبغي التفريط بها؛ إذ يعزز الحفاظ عليها استقلالنا الزراعي ويحمي مصالحنا على المدى البعيد.
في كل أزمة سياسية واقتصادية مررنا بها، لجأنا إلى الزراعة بوصفها صمام أمان قادراً على امتصاص الصدمات وتعزيز الاعتماد على الذات. غير أن البذور البلدية لم تكن متاحة دائماً بالكميات والتنوع والجودة المطلوبة، كما اتضح عند إطلاق مبادرة زراعة الحدائق المنزلية خلال جائحة كورونا.
التعليقات (0)