يبدو العنوان غريباً للوهلة الأولى، لكنه يختزل حكاية تحوّل دولة من أدنى مراتب التنمية إلى مصاف القوى العظمى. ففي غضون عقود قليلة، تحوّلت الصين إلى دولة تكاد ترى العظمة في كل زاوية من زواياها، وفي كل تفصيل من تفاصيل حياتها. أينما اتجهت داخل حدودها الجغرافية، تطالعك روعة العمارة، والنظافة العامة، وانسيابية شرايين المواصلات بمختلف وسائطها. تشعر وأنت تسير على طرقاتها أنك لا تتحرك فوق طريق تقليدي، بل تنساب على بساط من الحرير؛ طرق تشقها المركبات الكهربائية في هدوء وثبات، وكأنها ومضات من الضوء تتحرك فوق قطعة حريرية عجز أمهر نسّاجي العالم عن حياكة مثيل لها.
الصين اليوم قطعة حرير ناعمة الملمس، غير أن كل خيط في نسيجها يخفي نصل سيف حاداً، بتّاراً، قاطعاً. قد يبدو هذا الوصف مبالغة، لكنه حقيقة شعرت بها خلال زيارتي الأولى لتلك الدولة؛ زيارة جعلتني أحدّق في كل تفصيل منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماي أرضها.
ولست هنا أتحدث عن التقدم التكنولوجي، ولا عن روائع العمارة الحديثة، ولا عن أنواع السيارات والطائرات، ولا عن أحدث الهواتف المحمولة، أو سعات تخزين الحواسيب وسرعة معالجاتها. لا أتحدث عن أصناف الشاي وأسعار المعتّق منها، ولا عن جودة الطعام ومدى ملاءمته لذائقة زائر قادم من الشرق الأوسط. ولا أتحدث عن جمال العيون، أو رشاقة الأجساد، أو سرعة قبضة مقاتل الكونغ فو.
إنني أتحدث عن المكنسة والكريك!
نعم، عن المكنسة والكريك. عن بلد ما زال، حتى يومنا هذا، يستخدم فيه عامل النظافة فرشاة تقليدية مصنوعة من أغصان الأشجار، يمسكها بيديه لينظف بها الشوارع والممرات والساحات. تلك المكنسة المتواضعة، في يد ذلك العامل البسيط، تعزف أغرب وأعجب وأعذب سيمفونية لم أسمع ألحانها بأذني، لكنني رأيت آثارها في كل بقعة من تلك البلاد.
الدولة التي اخترقت الفضاء، وشيدت ناطحات سحاب تعانق الغيوم، وأنشأت شبكات مواصلات تفوق في تعقيدها، للوهلة الأولى، بعض شبكات المعلومات الرقمية، ما زالت تستخدم المكنسة التقليدية لتنظيف شوارعها!
التعليقات (0)