من زاوية تاريخية، كان السابع من أكتوبر 2023 لحظة فارقة تجاوزت حدود غزة وفلسطين لتلقي بظلالها على العالم كله، سياسيا واستراتيجيا وشعبيا وثقافيا وحضاريا، وخاصة العالم العربي.
لقد دخل العالم العربي بعد السابع من أكتوبر مرحلة مختلفة عن تلك التي كان يعيشها قبله. فالقضية الفلسطينية التي بدا، في سنوات سابقة، أنها تتراجع في سلم الأولويات الرسمية، عادت إلى مركز المشهد العربي. ومسارات التطبيع التي بدت وكأنها تتقدم بهدوء، اصطدمت بواقع الحرب وبالرأي العام العربي. والتحالفات الإقليمية أعيد النظر فيها. وتركيا أعادت ترتيب علاقتها بإسرائيل. وإيران ومحور حلفائها دخلا مرحلة جديدة. وسوريا انتقلت إلى وضع سياسي مختلف. والعراق وجد نفسه أمام نظام إقليمي مضطرب. أما المجتمعات العربية فقد شهدت واحدة من أقوى موجات إعادة الاهتمام بالقضية الفلسطينية منذ عقود.
لكن التداعيات الأعمق لم تكن سياسية فقط. لقد كان السابع من أكتوبر، قبل كل شيء، زلزالًا في الوعي العربي.
1. عودة فلسطين إلى قلب العالم العربي
ربما كان أول وأوضح أثر للسابع من أكتوبر أنه أعاد فلسطين إلى مركز الاهتمام العربي. فخلال السنوات التي سبقت الطوفان، بدا أن النظام الإقليمي العربي يتحرك في اتجاهات متعددة: صراعات داخلية، أزمات اقتصادية، تنافس إقليمي، حروب أهلية، صعود أولويات التنمية، وتوسّع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع القوى الدولية. وفي الوقت نفسه تقدمت علاقات عدد من الدول العربية مع إسرائيل، خصوصًا بعد اتفاقيات أبراهام. وفي خضم ذلك كله بدا وكأن القضية الفلسطينية فقدت شيئًا من قدرتها على فرض نفسها على أجندة النظام الإقليمي.
لكن السابع من أكتوبر أعاد ترتيب الأولويات. فقد كشفت استطلاعات "الباروميتر العربي" أن الحرب على غزة عمقت ارتباط الرأي العام العربي بالقضية الفلسطينية، وأن التأييد الشعبي للتطبيع مع إسرائيل تراجع بصورة كبيرة. وفي سبع دول شملتها استطلاعات 2023–2024 لم تتجاوز نسبة المؤيدين للتطبيع 13% في أي دولة عربية. وهذا التحول مهم جدًا. فالقضية التي ظن البعض أنها أصبحت قابلة للتجاوز السياسي عادت لتثبت أنها لم تتجاوز الوعي العربي.
التعليقات (0)