سامر السنجلاوي: رئيس "مسار جديد" أكثر ما يؤلمني في تأجيل الانتخابات الفلسطينية هو أنني أعرف وجوه الذين كانوا ينتظرونها. تحدثت معهم، سمعت أحلامهم، ورأيت كيف أعادت إليهم فكرة التصويت شيئًا من الثقة بأنفسهم وبوطنهم. لم يكونوا ينتظرون معجزة. كانوا يريدون حقًا بسيطًا: أن يختاروا من يمثلهم، وأن تكون لهم كلمة في مستقبلهم ثم أُغلق الباب.وبناءً على متابعتي للمسار السياسي الذي سبق القرار، أحمّل نائب الرئيس حسين الشيخ وجميل مزهر مسؤولية سياسية رئيسية عن الدفع نحو هذا التأجيل. وهذه مسؤولية لا تلغي مسؤولية آخرين. لكنها تمنع اختباء الذين دفعوا نحو القرار خلف عبارات فضفاضة عن التوافق الوطني وتهيئة الظروف ومن حق الفلسطينيين أن يعرفوا من أغلق الباب، ولماذا. ومن واجب من فعل ذلك أن يجيبهم.في تقديري، بذل نائب الرئيس حسين الشيخ جهدًا متواصلًا لتعطيل صدور مرسوم الانتخابات في تموز الماضي، ثم استمرت مساعيه، منذ صدوره، لإلغاء الموعد الذي حدده. لقد نجح في الوصول إلى التأجيل. والمفارقة المؤلمة أن النجاح في إغلاق طريق الانتخابات جاء بعد إخفاقات متراكمة في ملفات كان يفترض أن تفتح طريقًا للخروج من الأزمة.الحوار الداخلي في فتح والحوار الوطني استُخدما لتبرير التأجيل. لكنهما ملفان شارك نائب الرئيس في قيادتهما على امتداد سنوات، واستضافت عواصم عديدة اجتماعات طويلة بشأنهما، دون أن تتحقق المصالحة أو يُنهَ الانقسام. كيف يصبح تعثر الحوار سببًا لحرمان الشعب من الانتخابات؟ ولماذا يدفع المواطن ثمن فشل قيادته، ثم يُمنع من استخدام الوسيلة الديمقراطية لمحاسبتها؟أما العلاقة الفلسطينية الأمريكية، فأين الاختراق الذي يستطيع المواطن أن يلمسه؟ وأما التنسيق المدني مع الجانب الإسرائيلي، فليُسأل العامل الذي انقطع عن عمله، والطالب الذي يتأخر عن جامعته، والموظف الذي يغادر منزله قبل الفجر ولا يعرف متى سيصل.الاحتلال يتحمل المسؤولية المباشرة عن الحواجز والقيود والإذلال. لكن المسؤول الفلسطيني المكلف بالتنسيق يُحاسَب أيضًا على النتائج التي حققها لحماية مصالح الناس. لا يكفي أن يبقى المنصب قائمًا بينما تصبح حياة المواطنين أكثر صعوبة كل يوم.
عرفت حسين الشيخ منذ الإفراج عنه في بداية التسعينيات، بعد سنوات طويلة من الاعتقال. كنت حينها أترأس شبيبة فتح في القدس وأشارك في قيادتها على مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة. كان عضوًا في اللجنة الحركية العليا، محبوبًا ومرحًا وقريبًا من الناس ومن كوادر الشبيبة. ربطتني به علاقة قوية، كما ربطته علاقات وثيقة بقيادات جيلنا.لا أعرف ماذا فعلت هذه السنوات الطويلة بذلك القائد الذي عرفناه. لكنني أعرف أن الشاب الذي دافع يومًا عن حق جيله في المشاركة أصبح اليوم، في تقديري، من أبرز الذين يغلقون هذا الحق أمام جيل جديد.وهؤلاء الشباب موجودون داخل فتح أيضًا. رأيت خلال الأسابيع الماضية إقبال كوادرها وقواعدها على الترشح والمشاركة. وبحسب المعلومات التي تابعتها، تقدم في الخليل وحدها أكثر من ٤٣٠ شخصًا للحصول على موقع في قائمة الحركة، بينهم عدد كبير من القيادات الميدانية الشابة. كان ذلك إعلانًا واضحًا عن رغبة في الحياة السياسية، وعن طاقات تنتظر فرصة، حتى داخل التنظيم الذي ينتمي إليه نائب الرئيس.أما جميل مزهر، نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي يتحمل دورًا قياديًا في ظل استمرار اعتقال الأمين العام أحمد سعدات، فإن مسؤوليته تستدعي سؤالًا لا يقل وجعًا: كيف يقبل تنظيم حمل تاريخًا سياسيا وشعبيًا كبيرًا أن يكون جزءًا من إغلاق الطريق أمام تجديد الحياة السياسية؟بالنسبة إليّ، هذا السؤال له وجه واسم، هو نضال الربضي. كان صديقي وزميلي في المدرسة، ومن أنصار الجبهة الشعبية. في إحدى مظاهرات القدس عام ١٩٨٨، أصابته رصاصة وسقط إلى جانبي. كنا في الخامسة عشرة. نظر إليّ وهو ملقى على الأرض وقال آخر كلماته: لا تتركني. لم أتركه في ذاكرتي. حتى اليوم أضع صورته في منزلي إلى جانب صور أبنائي، ولا أستطيع حبس دموعي كلما ذُكر اسمه.حين أفكر في موقف جميل مزهر من الانتخابات، أتذكر نضال وأسأل: أي وفاء لذلك الجيل في حرمان أبنائه من حق الاختيار؟ وأي مستقبل نحفظه لتضحياته إذا بقي الشباب خارج المؤسسات، ينتظرون إذنًا بالمشاركة ممن احتفظوا بمواقعهم عقودًا؟ أستحضر نضال لأن السياسة، بالنسبة إليّ، مسؤولية تجاه حياة الناس، وتجاه الذين رحلوا وهم يؤمنون بأن تضحياتهم ستفتح لأجيالهم طريقًا أفضل.
كانت الجبهة الشعبية القوة الثانية في منظمة التحرير، وكان حضورها الميداني والجماهيري واضحًا في الانتفاضة الأولى. وفي تقديري، تراجع ذلك الحضور كثيرًا خلال السنوات الماضية. وقد لمست أخيرًا انتقال شباب وكوادر من صفوفها نحو أطر وقوائم أخرى، بينها مسار جديد.وهذه الظاهرة أوسع من تنظيم واحد. أنا وكثير من زملائي في مسار جديد جئنا من تجارب تنظيمية سابقة. حملنا معنا تاريخنا وقناعاتنا، لكننا بحثنا عن مساحة نستطيع فيها العمل والتأثير والمشاركة. حين تعجز التنظيمات عن استيعاب طاقات أبنائها، فإن الناس يبحثون عن أبواب أخرى وتأجيل الانتخابات لن يعالج هذا الاغتراب بل سيعمّقه. تظهر كلفة الانتظار في كل بيت فلسطيني تقريبًا. موظفون يتلقون أجزاء من رواتبهم بتأخير، وعمال فقدوا مصادر دخلهم منذ أكتوبر ٢٠٢٣، وأسر تستدين لتدفع الإيجار وتشتري الطعام. قابلت أشخاصًا أثقلتهم القروض والشيكات والالتزامات التي لم يعودوا قادرين على الوفاء بها. أصبح الخوف من الدائن والمحكمة جزءًا من يومهموفي التعليم، تنعكس الأزمة المالية على انتظام الدراسة وعلى حياة المعلمين. حين يضطر المعلم إلى البحث عن عمل إضافي أو بيع بضائع في الشارع كي يعيل أسرته ويتحمل كلفة الوصول إلى مدرسته، فإن مستقبل أطفالنا كله يصبح معرضًا للخطر.وفي غزة، تستقبل عائلات نزح كثير منها إلى الخيام شتاءً ثالثًا منذ بدء الحرب. يقضي الآباء والأمهات يومهم في البحث عن الحد الأدنى من الغذاء والماء والدواء لأطفالهم.وسط هذه الظروف، تحدثت يوميًا، لساعات طويلة، مع شباب وشابات من غزة عبر الهاتف والزووم ووسائل التواصل. أدهشني مستوى تعليمهم وثقافتهم وقدرتهم على التفكير والعمل. وأثّر فيّ الأمل الذي ظهر في أصواتهم لمجرد وجود إطار سياسي يتيح لهم إبداء الرأي والمشاركة.كانت الانتخابات بالنسبة إليهم فرصة ليصبحوا أصحاب قرار في مجتمع اعتاد أن يتعامل معهم بوصفهم متلقين للمساعدة. كم يؤلم أن تُدفن هذه الطاقات مرة أخرى تحت بيروقراطية مغلقة وقيادات لا تفسح لها الطريق.هناك فلسطينيون اقتربوا من الأربعين دون أن يشاركوا مرة واحدة في انتخابات وطنية. وهناك قيادات أمضت معظم أعمار هؤلاء الشباب في مواقعها. هذا الخلل لا يُصلح بمزيد من الانتظار، ولا بحوار يستمر سنوات دون أن يعيد للشعب حقه خاصة حين تتجاوز كلفة التأجيل حدودنا الداخلية.استثمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهدًا سياسيًا كبيرًا في دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفي الدفع نحو مسار دولي لحل الدولتين. وارتبطت هذه الجهود بالتزامات فلسطينية بالإصلاح وتجديد الشرعية وإجراء الانتخابات.حين نؤجل الاستحقاق من جديد، فإننا نضع شركاءنا أمام سؤال صعب: كيف يدافعون عن دعم مؤسسات فلسطينية لا تمنح شعبها فرصة اختيار ممثليه؟لا أجزم بأن الدول المانحة ستجمد مساعداتها. لكنني أخشى أن يضعف القرار استعدادها للوفاء بالتزاماتها، وأن يجعل الدفاع عن دعمنا أكثر صعوبة أمام برلماناتها ودافعي الضرائب فيها. وحين تعتمد مؤسساتنا وخدماتنا على هذا الدعم، تصبح الثقة الدولية مصلحة فلسطينية مباشرة، ويصبح التفريط بها عبئًا إضافيًا على المواطن الذي يعاني أصلًا مع ذلك، ما زلت أرى فرصة للتصحيح، وأبني عليها أملًا حذرًا. الرئيس محمود عباس يملك القرار الفلسطيني بتبكير الموعد. والرئيس ماكرون يستطيع استخدام ثقله الدبلوماسي لدعم هذا التصحيح، وربط مسار الإصلاح بجدول انتخابي قريب وواضح.ربما فاتتنا محطة ٢٨ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٦، لكن ذلك لا يبرر الانتظار حتى ١١ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٧. أدعو إلى تبكير الانتخابات الرئاسية والتشريعية لتُجرى في موعد لا يتجاوز آذار/مارس ٢٠٢٧، مع بدء التحضيرات فورًا وتوفير الاجواء الملائمة لكافة القوائم والقوى الفلسطينية الراغبة بالترشح للانتخابات بالعمل التحضيري والميداني.لن تحل الانتخابات وحدها كل أزماتنا. لكنها تمنح الناس وسيلة سلمية للمحاسبة، وتفتح المؤسسات أمام كفاءات جديدة، وتعيد بناء الثقة بين المواطن وقيادته. وكل يوم نؤجل فيه هذه الفرصة يزيد صعوبة استعادتها.سنواصل في مسار جديد التواصل مع كل من يستطيع المساعدة، وسنستخدم الوسائل السياسية والإدارية والقانونية المتاحة للدفاع عن موعد أقرب. وسنشارك في كل حوار وطني جاد يقود إلى نتيجة واضحة: إعادة القرار إلى الشعب.أحمّل حسين الشيخ وجميل مزهر مسؤوليتهما السياسية عن الدفع نحو التأجيل، وأطالب الرئيس محمود عباس بتصحيح القرار الذي وقّعه، وأدعو الرئيس ماكرون إلى المساعدة في حماية الفرصة التي ما زالت قائمة.قبل ثمانية وثلاثين عامًا، قال لي نضال: لاتتركني، واليوم أسمع في تلك الكلمات صوت جيل فلسطيني كامل ينتظر من يفتح له الباب، من واجبنا ألا نتركه..
التعليقات (0)