صباح الخير، وإن كان في القلب ما يُثقل هذا الصباح.
كان لدى كثيرين منّا ما يكفي من الأسباب ليتوقّعوا تأجيل الانتخابات، ولتوقّع الحجّة التي ستُقدَّم. هكذا علّمتنا دروس الأمس وتجربتنا مع مواعيد الانتخابات. ومع ذلك، سايرنا رواية كنّا نعرف أنها لا تقول الحقيقة كاملة، حتى صرنا نتصرّف كأننا نصدّقها. وهناك من صفّق، واحتفل، ومدح، ومجّد، واعتبر ذلك دهاءً وحنكة سياسية، بينما كانت النتيجة متوقّعة، بأسبابها السياسية والجغرافية، وبمن أسهم في الوصول إليها.
حتى من مسرح الرحابنة في الستينيات من القرن الماضي لم نتعلّم، خصوصًا نحن أبناء ذلك الجيل. ففي «بياع الخواتم»، اختلق المختار حكاية «راجح»، وجعل نفسه حامي الضيعة من خطر صنعه بخياله، ثم وجد آخرون في الحكاية ستارًا لأفعالهم، فمضوا معها واستغلّوها. واليوم، كأننا نعيد المشهد بطريقتنا: نروي لأنفسنا ما نعرف أنه لا يقول الحقيقة، ونكرّره، ونصفّق له، ونمجّده، حتى نقنع أنفسنا بأنه الحقيقة، وبأنه دليل على الذكاء والدهاء الدبلوماسي. روّجنا الكذبة، ثم صدّقناها، وحين انكشف ما توقّعناه منذ البداية، انتقلنا إلى وعد بعهد جديد، بدل أن نسأل: من صنع الحكاية أصلًا، ولماذا؟ ومن استفاد منها؟ ومن دفع ثمنها؟
ليس صحيحًا أننا لم نفهم؛ المؤلم أننا فهمنا وسكتنا، ومنّا من صفّق بحرارة النصر. ومن اعترض، بقي صوته وحيدًا، ولم يتحوّل اعتراضه إلى موقف جماعي يحمي حق الناس في النقد والاختيار والمحاسبة. وها نحن ننتقل إلى الحديث الأنيق عن الحاجة إلى الحوار الوطني، وكأن الدعوة إليه تكفي لتجاوز خيبة جديدة وأمل ضاع، وكأننا لم نجرّب الحوار من قبل.
وأقول هذا من تجربة شخصية: قضيت سبعة عشر عامًا من عمري وأنا أنادي بالحوار الاجتماعي، من خلال عملي في منظمة العمل الدولية، وبكل ما أوتينا من حجّة وقدرة على الإقناع، بين ثلاثة أطراف فقط من المجتمع الفلسطيني: الحكومة، ومنظمات أصحاب العمل، والنقابات العمالية. ثلاثة أطراف تختلف مصالحها، لكنها تلتقي في حاجتها إلى عمل لائق وإنتاج مستدام وعلاقات عمل عادلة. وكان يُفترض أن تدرك أن الحوار ضرورة لحماية الحقوق، وتحقيق السلامة والأمان، وتعزيز العدالة الاجتماعية للعمال وعائلاتهم.
ومع ذلك، لم ننجح في الوصول إلى ما كنّا نسعى إليه، ولم ننجح في ترسيخ حوار مؤسسي مستقر ومستدام، رغم كل الجهد والمال، ورغم الدعم الفني والمالي والقانوني الذي قُدّم على مدى سنوات. لم تكن تنقصنا البحوث والدراسات، ولا الاطّلاع على تجارب الآخرين، ولا الخبراء المتخصّصون، ولا ورشات العمل والمؤتمرات والاجتماعات. ما كان ينقصنا، في تقديري، هو إرادة الاستماع، وقبول الآخر، والاستعداد للتفاوض والتنازل، والالتزام بتنفيذ ما نتفق عليه.
التعليقات (0)