f 𝕏 W
لتنسَ الفصائل نفسها قليلًا... وتتذكّر الوطن كثيرًا

جريدة القدس

سياسة منذ 42 دق 0 2 د قراءة
زيارة المصدر ←

لتنسَ الفصائل نفسها قليلًا... وتتذكّر الوطن كثيرًا

السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حوار وطني فلسطيني ليس ما إذا كانت الفصائل ستتفق، بل على ماذا ستتفق، ولمن سيكون هذا الاتفاق. هل نحن أمام حوار يعيد بناء الحياة السياسية ويجدد شرعية التمثيل الوطني، أم أمام مفاوضات بين قوى تسعى إلى إدارة أزمتها والمحافظة على مواقعها؟ فالفرق بين الحوار والمفاوضات لا تحدده أسماء اللقاءات، بل الغاية التي تتجه إليها والمرجعية التي تحتكم إليها.

تبدأ المشكلة حين تنظر كل فصيلة إلى القضية الوطنية من نافذة أيديولوجيتها، ثم تتعامل مع رؤيتها كما لو أنها الصورة الكاملة. لكل طرف مشروعه وتفسيره للتاريخ وتصوراته للمستقبل، لكن القناعة بالمشروع تتحول أحيانًا إلى اعتقاد بأنه الطريق الوحيد للخلاص، وأن على الآخرين الاقتراب منه بدلًا من إخضاع المشاريع جميعها للنقاش والاختبار. وهكذا يصبح الحوار ساحة للدفاع عن المواقف المسبقة، لا فرصة لمراجعتها.

السياسة ليست مجالًا لفرض حقيقة مكتملة على مجتمع متنوع، بل تنافس بين رؤى مختلفة حول المصلحة العامة. لا يمتلك أي فصيل الحقيقة كاملة؛ فقد تصيب رؤيته في جانب وتخطئ في آخر، وقد يعجز برنامجه عن الاستجابة لتحولات الواقع. والنضج السياسي لا يكمن في التمسك بالمواقف مهما تغيرت الظروف، بل في القدرة على مراجعتها وتصحيحها. فالأفكار اجتهادات بشرية، وقيمتها تُقاس بقدرتها على خدمة الناس، لا بمقدار الولاء لها.

حين يحتكر الفصيل الحقيقة، يصبح أكثر ميلًا إلى احتكار التمثيل. وقد يتحول تاريخه النضالي، في نظره، من رصيد وطني إلى تفويض دائم، وموقعه السياسي من مسؤولية إلى حق مكتسب. لكن التضحيات السابقة لا تعفي من المساءلة، والتاريخ لا يمنح أحدًا شرعية أبدية. فالتمثيل تكليف متجدد، والشعب الذي يمنح التفويض يملك حق تجديده أو سحبه.

وتتعمق الأزمة حين تتحول التنظيمات من أدوات لتحقيق أهداف وطنية إلى مؤسسات تنشغل ببقائها ومكانة قياداتها. عندها يصبح تغيير القيادة تهديدًا للوحدة، ومراجعة البرنامج تشكيكًا في التاريخ، والاعتراض على الأداء خروجًا على الصف. وهكذا تتقدم مصلحة المؤسسة على الغاية التي أُنشئت من أجلها، وتُستخدم الشعارات الوطنية لتبرير استمرار واقع يعجز عن تحقيق أهدافها.

لا تُعالج هذه المشكلة بالمناشدة الأخلاقية وحدها، بل بقواعد ومؤسسات تتيح المساءلة والتنافس وتداول المسؤولية. فالنظام السياسي الذي لا يستطيع تصحيح أخطائه يعيد إنتاجها، والذي لا يتيح تغيير قياداته بوسائل منتظمة يجعل التغيير نفسه أزمة. إن قدرة السياسة على تصحيح مسارها ليست تفصيلًا إداريًا، بل شرط لبقائها أداة لخدمة المجتمع.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)