عادت قضية بلدة 'لكويرة' ذات الحساسية الاستراتيجية في العلاقات الموريتانية المغربية إلى واجهة المشهد السياسي، عقب تقديم المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية، الفريق أول محمد بريظ، تذكاراً يتضمن خريطة المغرب الشاملة لقائد الأركان العامة للجيوش الموريتانية، الفريق محمد فال ولد الرايس. وجاء هذا الإجراء البروتوكولي خلال لقاء عسكري عُقد على هامش معرض مراكش الدولي للطيران، حيث تضمنت الخريطة بلدة لكويرة ضمن السيادة المغربية، مما أثار قراءات متباينة حول دلالات التوقيت والرسائل السياسية المبطنة خلف هذا الإهداء في ظل النزاع المستمر حول إقليم الصحراء الغربية.
وتزامن هذا الحراك مع الكشف عن تفاصيل تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير، الذي أشار إلى مقترح قدمه وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوك، يهدف إلى تشكيل لجنة توافقية لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم. ويسعى المقترح الموريتاني، الذي طُرح خلال مباحثات في مدريد، إلى وضع ترتيبات واضحة تتعلق بالأمن وتقاسم الموارد والمصالحة، وهو ما يعكس رغبة نواكشوط في إنهاء حالة الغموض الحدودي التي تكتنف المنطقة منذ عقود. ورغم أن لكويرة لم تُذكر بالاسم في المقترح الرسمي، إلا أن موقعها الجغرافي الملاصق للعاصمة الاقتصادية الموريتانية 'نواذيبو' يجعلها في قلب أي نقاش حول ترسيم الحدود.
وتكتسب بلدة لكويرة أهمية حيوية لموريتانيا كونها تقع على الجانب الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، حيث تخضع فعلياً لسيطرة وحراسة موريتانية منذ اتفاق السلام مع جبهة البوليساريو عام 1979. ويرى مراقبون أن أي تغيير في الوضع القائم للبلدة قد ينعكس مباشرة على أمن ومصالح مدينة نواذيبو، التي تضم ميناء تصدير الحديد ومنشآت الصيد البحري الحيوية. كما أن استقرار هذا المحور يعد ركيزة أساسية للاقتصاد الموريتاني، خاصة لشركة 'سنيم' التي تدير خطاً حديدياً لنقل خام الحديد يمتد لمئات الكيلومترات بمحاذاة المناطق المتنازع عليها، مما يجعل تأمين الحدود ضرورة اقتصادية قصوى.
بين رمزية الخرائط المغربية ومقتضيات التوازن الدبلوماسي الموريتاني، تظل المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على تحويل نقاط التماس من مصادر قلق أمني إلى مجالات للتعاون الاقتصادي. فبينما يتمسك المغرب بسيادته على كامل الإقليم بما فيه لكويرة، تحرص موريتانيا على حماية حدودها المعترف بها دولياً وضمان عدم تأثر منشآتها الاستراتيجية بأي تسوية مستقبلية. ويبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة الدبلوماسية في البلدين على تجاوز التفسيرات الإعلامية للحدث العسكري الأخير، والتركيز على بناء تفاهمات حدودية تضمن استقرار المنطقة وتدعم مسار التسوية الأممية الشاملة.
التعليقات (0)