لم تعد الأزمة الفلسطينية تحتمل إدارة الوقت بدلًا من إدارة الصراع، ولا قرارات منفردة تعمّق أزمة الشرعية وتُبقي النظام السياسي أسيرًا للانقسام والعجز والترتيبات الفئوية وشبهات التوريث. فتأجيل الانتخابات، بعد تجربة عام 2021، لا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً عابرًا أو خلافًا على موعد جديد؛ فهو يمس جوهر الأزمة الوطنية: غياب آليات ملزمة لتجديد الشرعيات، والانفراد بالقرار، وتراجع قدرة الحركة الوطنية على المبادرة في مواجهة مشروع إسرائيلي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية وفرض وقائع على الأرض تقوّض إمكانية تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
حوار عاجل بجدول زمني ملزم
المطلوب ليس حوارًا آخر مفتوحًا على المماطلة، ولا توافقًا لفظيًا يرحّل الخلافات إلى موعد لاحق، أو يمنح أي طرف حق النقض والتعطيل، أو يُستخدم فقط لتمرير قرار تأجيل الانتخابات. فقد استمرت الحوارات الوطنية السابقة سنوات من دون تنفيذ ما اتُّفق عليه، الأمر الذي يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا يثق المواطن بأن هذا الحوار سيكون مختلفًا؟
إن إعلان بكين، الذي حظي بإجماع القوى الفلسطينية، لا يحتاج إلى إعادة إنتاج التوافقات، بل إلى آلية عملية لتنفيذه، تبدأ بالدعوة الفورية إلى اجتماع الإطار القيادي المؤقت، الذي كان ينبغي أن ينعقد قبل أكثر من عامين، وفقًا لما نص عليه الإعلان الصادر في بكين في 23 تموز/يوليو 2024. وتتمثل مهمة هذا الاجتماع في وضع خريطة طريق واضحة ومحددة زمنيًا للإنقاذ الوطني، وتنفيذ بنود الإعلان، وترسيخ الشراكة في تحمّل المسؤولية، ونقل القيادة من حالة الانتظار المزمن وانعدام المبادرة إلى موقع الفعل والتأثير في مواجهة المخاطر المحدقة بالقضية الوطنية.
ويجب أن ينطلق الاتفاق من مبدأ لا يحتمل التأويل: لا يجوز الانفراد بالقرار الوطني، ولا أن يصبح تأجيل الانتخابات مدخلًا لإلغائها أو تمديدًا مفتوحًا للواقع القائم. فتجربة عام 2021، وما سبقها، تفرض ألا نكتفي بتحديد موعد جديد، بل أن نضع ضمانات عملية تحول دون تكرار ما حدث، وتمنح المواطنين الثقة بجدية العملية الانتخابية؛ فهذه الضمانات أهم من مجرد الإعلان عن موعد.
ويقتضي ذلك الالتزام بالموعد المتفق عليه، ومعالجة العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات، وفي مقدمتها الانفراد بقرارات التأجيل والتقديم، وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها باستقلالية كاملة، ونشر تقارير دورية عن مدى جاهزية العملية، ووضع ترتيبات قانونية واضحة للتعامل مع الظروف الاستثنائية، حتى لا يُترك مصير الانتخابات لقرار أحادي أو لتقديرات سياسية مفتوحة.
التعليقات (0)