لربما لا يلحظ كثيرون عمق الأثر الكبير الذي تركته حرب الإبادة الجماعية والتجويع التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ ثلاث سنوات، وتحديدًا في مطلع أكتوبر من العام 2023، والتي ما زالت آثارها وتبعاتها قائمة، وخاصة فيما يتعلق بالاستهداف الممنهج للخدمات الأساسية، وعلى رأسها منظومة المياه، سواء مياه الاستخدام اليومي أو المياه الصالحة للشرب؛ المنظومة التي كانت تعاني في الأصل، قبيل العدوان، بفعل سياسة الحصار المفروض على غزة منذ عقدين من الزمن، حتى جاءت حرب الإبادة لتصيبها في مقتل. وتشير بيانات اليونيسف المنشورة في يوليو 2026 إلى أن نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تضررت أو دُمّرت، وأن 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي، فيما لا يستطيع ما يصل إلى 70% من السكان الحصول على ستة لترات من المياه للفرد يوميًا، وهي كمية تقل عن الحد الأدنى الطارئ.
فالبلديات والمنظمات الدولية تكافح لمحاولة سد العجز الكبير بمقدرات متهالكة وحلول مؤقتة لا تفي بسد الحاجة الملحّة للطلب المتزايد. بعد انهيار الآبار والشبكات وخروج معظم محطات تحلية المياه عن العمل بفعل الاستهداف والقصف المباشر الذي أدى إلى تدميرها، تحاول البلديات والجمعيات والمبادرون من أهل البذل والعطاء استبدال منظومة التزويد الشبكية بصهاريج محمولة على شاحنات تجوب المخيمات والمناطق، وتقدم خدمة تزويد المياه للعائلات والنازحين.
وهؤلاء بدورهم يسعون، منذ الصباح، بكافة أفرادهم، «الصغار والكبار والنساء والعجزة»، للبحث عن الأماكن المنتظر وصول هذه الشاحنات والصهاريج إليها، حاملين جالونات وأوعية متهالكة لمحاولة الحصول على أكبر قدر من المياه الصالحة للشرب أو للاستهلاك اليومي، إذ تعتبر هذه الطريقة الوحيدة التي يحصل عبرها الغزيون على المياه الصالحة للشرب. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كان نحو 75% من سكان قطاع غزة يعتمدون على صهاريج المياه بوصفها وسيلة أساسية للحصول على مياه الشرب، بحسب تقرير صدر في أغسطس 2026.
وبينما تزداد الأزمة اتساعًا في غزة، لا يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن رفض أي مشاريع ومخططات قد تعيد إنشاء شبكات جديدة أو محطات تحلية المياه. وأضف إلى ذلك أن البيئة أصبحت ملوثة بفعل انتشار مياه الصرف الصحي التي طالها التدمير الممنهج، ومع تكدس أطنان من النفايات التي تجلب الحشرات والقوارض، وزد على ذلك تلف الجالونات والأوعية التي يستخدمها الناس لتعبئة المياه، وذلك بسبب رفض الاحتلال الإسرائيلي إدخال هذه المواد اللازمة لحفظ المياه ونقلها، وإن أدخلها، فلا يسمح إلا بدخول كميات قليلة لا تفي بالغرض المنشود؛ تصبح الأمور أكثر تعقيدًا وخطورة.
إن أزمة المياه في قطاع غزة ليست تفصيلًا بسيطًا أو أمرًا عابرًا؛ فهي تؤثر على صحة الإنسان وعلى مختلف شؤون حياته. فالأطفال الذين يجب أن يلتحقوا بالمدارس يجدون أنفسهم مضطرين لملاحقة شاحنات المياه؛ هكذا تتبدل الأولويات في ظل الحاجة وضغط الواقع. وكذا، بات الكبار يخصصون مسعاهم الأول في كل صباح للبحث عن المياه وإيجاد مصدر قريب لها، ليباشروا الوظائف والمهام الأخرى، كالبحث عما يصلح لإشعال النار في ظل منع إدخال غاز الطهي إلا بكميات محدودة جدًا، أو الاصطفاف في طابور التكية «مكان يوفر وجبات ساخنة مدعومة من المنظمات الدولية والخيرية»، علّهم يظفرون لعائلاتهم بوجبة طعام تغنيهم عن السؤال.
هذا الواقع الإنساني القاسي يحدث في العام 2026، وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، إذ يُجبر الأطفال على الاختيار بين حقائب المدرسة وجالونات المياه، وبين الدفاتر والأقلام وبين تتبّع الصهاريج وانتظار وصول الماء أو البحث عن وجبة طعام.
التعليقات (0)