الإثنين 12 أكتوبر 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس
لا تُقاس الأحداث الكبرى بما تثيره من انفعال لحظة وقوعها، بل بما تتركه في حياة الشعوب وقدرتها على امتلاك مستقبلها. ومن هنا، فإن مراجعة «طوفان الأقصى» وما أعقبه ليست ترفاً فكرياً، ولا انتقاصاً من تضحيات الفلسطينيين؛ إنها واجب تجاه شعب دفع ثمناً فادحاً، ويستحق أن يعرف كيف اتُّخذت القرارات التي مست حياته، وما الذي تحقق منها، وما الذي كان يمكن تجنبه.السؤال الذي ينبغي أن يقود هذه المراجعة واضح وصعب: هل أسهم ما جرى في تقريب الفلسطينيين من الحرية وتقرير المصير، وبأي كلفة؟ وهل امتلكت القيادة التي اتخذت القرار تصوراً سياسياً لما بعد العملية، وتقديراً واقعياً للرد الإسرائيلي، وقدرة على حماية المجتمع الذي سيتحمل تبعات المواجهة؟لا تبدأ الإجابة من السابع من تشرين الأول وحده. فالقضية الفلسطينية أقدم من ذلك بكثير، ولها جذورها في الاقتلاع والاحتلال والاستيطان والحصار وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه. وتجاهل هذا السياق يحوّل الصراع إلى واقعة أمنية معزولة، ويطمس مسؤولية السياسات التي راكمت القهر وأغلقت أبواب الحل السياسي. لكن الاعتراف بالسياق لا يعفي القرار الفلسطيني من التقييم؛ فعدالة القضية تستدعي حكمة أكبر في إدارتها، لأن الخطأ في الوسيلة قد يضعف القدرة على بلوغ الغاية.وفي الوقت نفسه، فإن مساءلة القرار الفلسطيني لا تنقل مسؤولية الجرائم الإسرائيلية إلى ضحاياها. تبقى إسرائيل مسؤولة عن أفعال قواتها وعن انتهاكاتها، ولا يمنحها أي هجوم حق استهداف المدنيين أو تدمير مقومات حياتهم. وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها الصادر في حزيران 2024، إلى ارتكاب السلطات الإسرائيلية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وإلى ارتكاب حماس وفصائل فلسطينية أخرى جرائم حرب، من بينها استهداف المدنيين وأخذ الرهائن. وهذه نتائج تحقيق دولي، وليست أحكاماً قضائية نهائية.إن الموقف الوطني المسؤول يستطيع أن يتمسك بالحقوق الفلسطينية، ويطالب بمحاسبة إسرائيل، ويرفض الاعتداء على المدنيين، ويراجع خيارات القيادة الفلسطينية. فلا ينبغي أن تصبح المحاسبة تهمة، أو أن يتحول النقد إلى ذريعة لتبرئة الاحتلال.لقد كشف السابع من أكتوبر عن اختراق أمني وعسكري كبير، لكن المفاجأة العسكرية وحدها لا تثبت النجاح الاستراتيجي. فالاستراتيجية تُختبر في قدرتها على تحويل الفعل إلى نتائج سياسية، وفيما تحافظ عليه من حياة الناس ووجودهم ومؤسساتهم. ومن هنا، لا يكفي السؤال عما أصاب إسرائيل من صدمة؛ بل يجب السؤال عما استطاع الفلسطينيون تحقيقه، وعن قدرتهم على الاحتفاظ بأي مكاسب والبناء عليها.وهنا تقع الفجوة التي تحتاج إلى مراجعة صريحة: ما الهدف السياسي المحدد؟ ما حدود المواجهة المتوقعة؟ كيف قُدّرت احتمالات الحرب الطويلة؟ وما مدى واقعية التعويل على الحلفاء أو التدخل الدولي؟ هذه أسئلة لا يجوز حسمها بالتخمين، ولا تكفي للإجابة عنها تصريحات متفرقة. إنها تحتاج إلى مراجعة مستقلة للوثائق والتقديرات وشهادات أصحاب القرار.أما المعيار الأول، فيجب أن يبقى الإنسان الفلسطيني. فكل تقييم يتجاوز حياة الناس وبيوتهم وتعليم أطفالهم وصحتهم يتحول إلى حساب سياسي ناقص. تدمير المجتمع يضعف قدرته على مواصلة النضال، حتى عندما يحافظ أفراده على إرادة الصمود. ولهذا، فإن حماية السكان ليست مسألة مؤجلة إلى ما بعد المواجهة؛ إنها جزء أصيل من مسؤولية القيادة قبل القرار وأثناءه وبعده.لقد أظهر أهل غزة قدرة هائلة على الاحتمال والتكافل. لكن الصمود لا يمنح صك براءة لأي قرار. ومن الظلم أن يُطالب الناس بتحمل الكارثة، ثم يُطلب منهم الصمت عن أسئلتهم احتراماً للتضحيات. فالوفاء للضحايا يقتضي أن نبحث بصدق في أسباب ما حدث، وأن نمنع تكرار الأخطاء التي يمكن منعها. والقيادة تُقاس بقدرتها على حماية شعبها، إلى جانب قدرتها على حشد إرادته.والدرس السياسي الأبرز هو أن حضور القضية في العالم لا يتحول تلقائياً إلى إنجاز وطني. فالتعاطف مع الفلسطينيين، والاحتجاج على الحرب، والدفاع عن حقهم في الحرية، تحتاج جميعها إلى عمل منظم يحوّلها إلى ضغط وقرارات وضمانات. كما أن التضامن مع الضحايا لا يعني بالضرورة تأييد كل خيار اتخذته قيادة فلسطينية. والخلط بين الموقفين قد يدفع إلى المبالغة في تقدير الدعم المتاح، ثم إلى بناء رهانات لا تحتملها الوقائع.لهذا يحتاج الفلسطينيون إلى قيادة تمثيلية موثوقة، وأهداف سياسية واضحة، وخطاب متماسك، وقدرة دبلوماسية وقانونية مستمرة. ويحتاجون قبل ذلك إلى معالجة الانقسام الذي أضعف صناعة القرار الوطني. فحين تتوزع السلطة بين مراكز متنافسة، وتغيب آليات التفويض والرقابة، يصبح الشعب معرضاً لقرارات يتحمل نتائجها من دون أن يشارك في صياغتها أو يستطيع مساءلة أصحابها.والمراجعة هنا تشمل النظام السياسي الفلسطيني كله، مع التمييز بين المسؤوليات. فمسؤولية من اتخذ القرار تختلف عن مسؤولية من لم يشارك فيه، لكن إخفاق المؤسسات في تجديد الشرعية وبناء استراتيجية مشتركة يستحق هو الآخر المساءلة. ولا تكفي الدعوة إلى الوحدة ما لم تتجسد في قواعد تحدد من يقرر، وبأي تفويض، وكيف يُحاسب، وكيف تُحمى حقوق المواطن في المشاركة والاعتراض.ومن الدروس أيضاً ضرورة بناء العلاقات الخارجية على تقدير واقعي للمصالح والقدرات. قد تتقاطع مصالح الفلسطينيين مع أطراف إقليمية ودولية، لكن لكل طرف أولوياته وحدود التزامه. ولذلك، لا يجوز أن يقوم القرار المصيري على افتراض أن الآخرين سيتحملون الكلفة أو يتدخلون في التوقيت الذي يحتاجه الفلسطينيون. استقلال القرار يبدأ من امتلاك القدرة على تقدير ما يستطيع الحليف تقديمه، وما قد يمتنع عنه.إن المطلوب اليوم مراجعة تفضي إلى تغيير ملموس: آلية فلسطينية مستقلة لفحص القرار ونتائجه، وتجديد المؤسسات التمثيلية، وبرنامج لحماية الناس والتعافي وإعادة الإعمار، واستراتيجية تجمع العمل الشعبي والدبلوماسي والقانوني ببناء الاقتصاد والتعليم والمؤسسات. فالمجتمع القادر على البقاء والتنظيم وإنتاج المعرفة وصون حقوق مواطنيه يمتلك أساساً أقوى لمواجهة الاحتلال وتحقيق الحرية.لا يستحق الفلسطينيون أن تبقى تجربتهم أسيرة روايتين مغلقتين: رواية تُعلن النصر قبل فحص النتائج، وأخرى تستغل المأساة لنزع الشرعية عن حقوقهم. إنهم يستحقون قراءة مستقلة تعترف بالتضحيات، وتسمي الأخطاء، وتحدد المسؤوليات، وتحفظ حقهم في الأمل والعمل.والمراجعة الوطنية الحقيقية تبدأ حين يصبح السؤال عن سلامة القرار حقاً للمواطن، ويصبح تقديم الإجابة واجباً على القيادة. فالشعب الذي يدفع الثمن يجب أن يكون صاحب الكلمة في مستقبله؛ وتلك أولى الخطوات نحو تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى حرية.
طوفان الأقصى في ميزان المصلحة الوطنية الفلسطينية
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)