f 𝕏 W
الأرض التي لا يدخلها أصحابها.. من تنظيم الوصول والتخصيص إلى صناعة الذاكرة

جريدة القدس

رياضة منذ 56 دق 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

الأرض التي لا يدخلها أصحابها.. من تنظيم الوصول والتخصيص إلى صناعة الذاكرة

الأحد 11 أكتوبر 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس

ليس السؤال عن الأرض سؤالاً واحداً. فالملكية، على أهميتها، لا تفسّر وحدها ما يجري حين يُمنع صاحب الحقل من بلوغه، أو حين تتغير الجهة التي توزّع حق الانتفاع به، أو حين تحظى بؤرة جديدة بحماية تجعل وجودها أمراً واقعاً، أو حين تُروى حكاية المكان من زاوية واحدة. في هذه الحالات لا تنتقل الأرض من يد إلى أخرى فحسب؛ يتغير أيضاً من يستطيع استخدامها، ومن يملك أن يسميها، وأي ماضٍ يُستدعى لتبرير مستقبلها.تكشف أوامر موسم قطف الزيتون هذا التحول بوضوح. ففي تحديث نشرته حركة (السلام الآن) في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قالت إن أوامر عسكرية تشترط تنسيقاً مسبقاً لدخول نحو 88,300 دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون، بزيادة تقارب 30 في المئة عن العام السابق. الرقم مهم، لكن دلالته لا تقف عند اتساع المساحة المقيدة. فحق المزارع في أرضه يصبح عملياً مشروطاً بإذن وتوقيت وإجراء؛ وقد يتحول التأخير، حتى من دون نقل سند الملكية، إلى خسارة موسم وثمار ودخل. هنا تعمل السلطة على الأرض عبر تنظيم الوصول إليها، لا عبر تسجيل اسم مالك جديد فقط.ولا ينبغي أن تختزل هذه الصورة في القول إن القانون غائب. أحياناً يكون القانون حاضراً بكثافة: أمر عسكري يعرّف منطقة مغلقة، وسجل يحدد صفة الأرض، وإجراء يعلن نية تخصيصها، ومحكمة تفحص شرعية خطوة أو حدود اختصاص جهة. لكن السؤال الحاسم هو كيف تتوزع هذه الأدوات، ومن يستطيع استعمالها، وأي حقوق تجعلها مرئية. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر أعلنت الإدارة المدنية إجراءً جديداً للنشر المسبق لبعض تخصيصات الأراضي في الضفة الغربية، عقب مسار قضائي طويل. هذه خطوة تتيح الاعتراض قبل توقيع العقود، لكنها لا تشمل، وفق (السلام الآن)، أراضي داخل حدود اختصاص المستوطنات أو مساحات تديرها دائرة الاستيطان. الشفافية هنا مكسب محدد، لا خاتمة للنزاع: إنها تكشف أيضًا حدود ما يُعرض على الجمهور وما يبقى خارج نافذة الإجراء.ومن ثم، فالتخصيص الإداري ليس تفصيلاً تقنياً منفصلاً عن السياسة. فحين تتحول الأرض العامة أو المصنفة إلى مورد متاح لفئة دون أخرى، يصبح السؤال عن الملكية سؤالًا عن بنية الوصول إلى الموارد والطرق والمراعي. وحين تتصل البؤرة الرعوية بحركة القطعان والطرق والحماية العسكرية، لا يعود أثرها محصوراً في المساحة التي تشغلها المباني. قد يمتد إلى المجال الذي يستطيع الفلسطيني أن يزرع فيه أو يرعى أو يعبر بأمان. بذلك يتكون حدّ مكاني متحرك: لا يحتاج دائماً إلى جدار مرئي، لأن أثره قد تصنعه المخاطر اليومية وتكرار المنع وتفاوت الحماية.تساعدنا مقاربة الاستعمار الاستيطاني، كما صاغها باتريك وولف حول مركزية الأرض والإحلال، على ملاحظة الصلة بين السيطرة الإقليمية والمؤسسات التي تعيد ترتيب السكان والملكية. غير أن هذه المقاربة ليست حكماً جاهزاً يفسر كل واقعة، ولا تحظى تفاصيلها بإجماع الباحثين. ينبغي اختبارها تاريخيًا ومكانيًا: ما الذي تفسره في الحالة الفلسطينية؟ كيف تتفاعل مع أنظمة القانون المتعددة، وتاريخ الانتداب والحكم العسكري، وبنية الاقتصاد، والانقسام السياسي؟ وما الذي قد تحجبه إذا حوّلت الفلسطينيين إلى موضوع للإزاحة وحده، أو سوّت بين مراحل ومؤسسات مختلفة؟ إن قيمتها البحثية تكمن في فتح أسئلة قابلة للفحص، لا في إغلاقها بتسمية واحدة.ويمكن وصل هذا النقاش بأعمال د. منير فخر الدين حول الأرض والملكية والرأسمالية والفضاء، وبحثه في الكيفية التي تنتج بها ترتيبات الحكم واقعاً مكانياً جديداً. فالأرض ليست سطحاً صامتاً فوقه تُرسم الحدود؛ إنها علاقات عمل وذاكرة وقرابة وماء وطريق وحق في البقاء. لهذا لا يكفي أن نسأل من يملك القطعة في السجل. علينا أن نسأل من يزرعها، ومن يستطيع الوصول إليها في موسمها، ومن يقرر استخدامها، ومن يحمي من عليها، ومن يتحمل كلفة تحويلها إلى (منطقة) أو (موقع) أو (حديقة) أو (أرض دولة).وتكتمل الدائرة حين ننتقل من إدارة الأرض إلى روايتها. فالمسلسل التلفزيوني لا يصدر أمراً عسكرياً ولا يغيّر قيداً عقارياً، لكن الثقافة الشعبية تسهم في تحديد من يظهر صاحبًا للمكان ومن يظهر تهديداً له، وأي ألم يصبح ذاكرة عامة. في مقابلة نشرتها «رويترز» في 7 تشرين الأول/أكتوبر، شرح آفي إيسخاروف، أحد مبتكري مسلسل (فوضى)، أن الموسم الجديد اختار أن يروي الصدمة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، وقال إن العمل لا يقدم نفسه بوصفه جزءًامن الدعاية الحكومية. ينبغي أخذ هذا التصريح بجدية بوصفه وصفًا لنية صانعي العمل، لا اعتباره حكماً نهائياً على أثره. فالتحليل الثقافي يسأل أيضاً: ما الذي يختاره العمل ليكون في مركز الصورة؟ ما الذي يبقى خارجها؟ وكيف تؤثر الحبكة والمنظور وتوزيع التعاطف في فهم الجمهور للأرض والعنف والحدود؟لا يعني ذلك مطالبة كل عمل فني بأن يروي كل شيء، ولا إنكار حق المجتمع في سرد صدمته. لكنه يعني أن الذاكرة العامة ليست مرآة محايدة. حين يصبح تاريخ طرف واحد هو الإطار الذي تُقرأ داخله المنطقة كلها، قد تتحول الأرض الفلسطينية إلى خلفية أمنية أو مسرح خطر، فيما تغيب عنها علاقات الملكية والاقتلاع والحياة اليومية. وعلى الضفة الأخرى، لا تُختزل المقاومة الثقافية في ردٍّ على الرواية الإسرائيلية؛ فهي أيضًا استعادة لأسماء القرى والحقول والعائلات، ولتفاصيل الحياة التي لا تلتقطها خرائط الإدارة.لذلك أقترح أن نقرأ المشهد عبر أربعة أسئلة مترابطة: من يملك الأرض قانونياً؟ من يستطيع دخولها واستعمالها فعلياً؟ من يخصصها ويحمي الوجود المقام عليها؟ ومن يملك سلطة وصف تاريخها أمام الجمهور؟ لا تجيب وثيقة واحدة عن هذه الأسئلة، ولا يفسرها حقل معرفي منفرد. لكن جمع القانون والجغرافيا السياسية والتاريخ الثقافي يكشف كيف يمكن للسيطرة أن تتقدم من دون إعلان واحد كبير: خطوة إدارية هنا، قيد وصول هناك، حماية غير متكافئة في موضع ثالث، وحكاية تجعل النتيجة تبدو طبيعية.الأرض، بهذا المعنى، لا تُنتزع فقط حين يتغير سند ملكيتها. قد تُنتزع حين يصبح الوصول إليها استثناءً، واستعمالها مخاطرة، وتخصيصها قرارًا بعيدًا عن أصحابها، وتاريخها رواية لا مكان لهم فيها. ومهمة البحث ليست الاكتفاء بتسمية هذه النتيجة؛ بل تتبع الآليات التي صنعتها، والتمييز بين ما تثبته الوثائق وما تقترحه القراءة، وترك مساحة للخلاف حيث لا تزال الوقائع والتفسير.

الأرض التي لا يدخلها أصحابها.. من تنظيم الوصول والتخصيص إلى صناعة الذاكرة

المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)