الأحد 11 أكتوبر 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس
هناك موسم للزيتون، وموسم للانتخابات الإسرائيلية، وموسم للانتخابات الفلسطينية. ثلاثة مواسم تتقاطع في وقت واحد، ولكل موسم حصاده: الإسرائيلي يحصد الأصوات، والفلسطيني يحصد الزيتون، والسياسي يحصد الوعود. أما الأرض، فتنتظر أن يحصد أصحابها حقهم فيها.في الحقل، يحمل الفلسطيني سلّمه وسلّته وعصاه، ويمشي نحو شجرته. وفي موسم الانتخابات، يحمل المرشح صورته وشعاره وبرنامجه، ويمشي نحو الناخب.الأول يسأل: أين زيتونتي؟ والثاني يسأل: أين صوتي؟ لأول، إذا مُنع من الوصول إلى شجرته، يخسر موسمًا ورزقًا وحقًا. أما الثاني، فإذا خسر مقعده، يستطيع أن ينتظر موسمًا انتخابيًا آخر، ويعود بشعار جديد، وربما بتحالف جديد، وربما باسم جديد.وهنا تبدأ الكوميديا السوداء. شجرة الزيتون، التي لا تعقد مؤتمرًا، ولا تشكل قائمة، ولا تدخل في تحالف، ولا تنشر برنامجًا انتخابيًا، تبدو أحيانًا وكأنها أكثر إزعاجًا من كل الخطب السياسية.لا ترفع شعارًا، لكنها ترفع جذعًا.لا تصدر بيانًا، لكنها تحمل ذاكرة.لا تطلب عضوية في حزب، لكنها تملك ما هو أخطر: جذورًا في الأرض.هل أصبحت الزيتونة تهديدًا استراتيجيًا؟ هل نحتاج إلى جهاز أمني جديد لمواجهة «الإرهاب النباتي»؟ أم أن المشكلة ليست في الشجرة أصلًا، بل في صاحبها الذي يريد أن يصل إليها؟المشكلة ليست في الزيتون… المشكلة في الجذور.فالزيتونة لا تحتاج إلى خطاب عن «القرار المستقل». وجودها في الأرض هو القرار المستقل نفسه. ولا تحتاج إلى برنامج لحماية الأرض؛ برنامجها مختصر منذ آلاف السنين: الأرض أولًا.وفي موسم الانتخابات، سنسمع كالعادة كلمات كبيرة عن التغيير والتجديد والوحدة والديمقراطية والإصلاح والاقتصاد والقرار المستقل وحماية الأرض.كلها عناوين مهمة.لكن الفلاح لا يحتاج إلى خطبة عندما يقف على طرف أرضه ويسأل: هل أستطيع الوصول إلى شجرتي؟وهنا يصبح السؤال الانتخابي الحقيقي أكثر قسوة:من يحميني عندما أذهب إلى زيتونتي؟أي قرار مستقل هذا الذي لا يستطيع صاحبه الوصول إلى أرضه؟وأي برنامج لحماية الأرض لا يبدأ من حماية الطريق إليها؟الانتخابات ليست فقط صندوقًا وأوراقًا وصورًا وقوائم وأرقامًا. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تنزل السياسة من المنصة إلى الحقل، ومن الشعار إلى الطريق، ومن البرنامج المكتوب إلى قدرة الإنسان على الوصول إلى أرضه وقطف ثمرها.والغريب أن الزيتونة نفسها تبدو أكثر اتساقًا من كثير من الخطابات السياسية.فهي دائمة الخضرة؛ لا تخلع هويتها مع كل موسم، ولا تنتظر انتخابات جديدة كي تستعيد شرعيتها. أوراقها تتجدد تدريجيًا، والورقة تعيش عادةً سنتين أو ثلاثًا قبل أن تسقط، بينما تبقى الشجرة محتفظة بخضرتها.تجدد بلا اقتلاع، وتغيير بلا مغادرة.ربما كان على بعض السياسيين أن يتعلموا من شجرة زيتون.فالتحالفات تتغير، والأسماء تتبدل، والشعارات تتجدد، والقوائم تولد وتموت، لكن الشجرة لا تحتاج إلى تغيير مكانها كي تثبت أنها ما زالت موجودة.هي لا تبحث عن ناخب.هي لا تنتظر استطلاع رأي.هي لا تحتاج إلى رقم متقدم في قائمة.وجودها هو حجتها.السياسي يحتاج إلى الناخب كي يصل إلى المقعد، أما الزيتونة فلا تحتاج إلى أحد كي تثبت أنها تنتمي إلى المكان. يكفي أنها ما زالت هناك.السياسي يطلب شرعيته من الصندوق، والزيتونة تأخذ شرعيتها من الأرض.وهنا تكمن المفارقة الفلسطينية: السياسي يحتاج إلى الناخب كل عدة سنوات، بينما الفلسطيني يحتاج إلى الأرض كل يوم.لذلك لا ينبغي أن يتحول موسم الانتخابات إلى موسم آخر للكلام عن الأرض، بينما يبقى صاحب الأرض عاجزًا عن الوصول إليها.في النهاية، قد تسقط قائمة، وقد يفشل تحالف، وقد ينتهي خطاب انتخابي بمجرد إغلاق الصندوق، لكن الشجرة تبقى واقفة، بأغصانها وجذورها وذاكرتها.الفصيل يمكن محاصرته، والخطاب يمكن مصادرته، والقائمة يمكن إسقاطها… أما الجذر، فمشكلته أنه تحت الأرض.وفي فلسطين، أخطر ما تحت الأرض ليس ما يُخفى فيها… بل ما يرفض أن يُقتلع منها.لذلك، إذا أردتم البحث عن أخطر مرشح في الانتخابات، فلا تبحثوا عنه في القوائم.ابحثوا عنه في الحقل.مرشح بلا قائمة، بلا حملة، بلا خطاب، بلا سلاح… لكنه يملك ما لا يملكه كثير من السياسيين: الجذور.
حين يبحث السياسي عن صوت ويبحث الفلسطيني عن أرضه
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)