تبدل شكل موسم الزيتون، بعد أن كان لعقود طويلة ضاربة في القدم موسم فرح وأمل، وموسم حصاد وفير، وعنقود محبة ولمّة وعونة، تلتقي فيه العائلات والجيران والأصحاب لقطف ثمار الشجرة المباركة التي يكاد زيتها يضيء، وهم يمارسون طقوس القطاف بالأهازيج والأغاني الشعبية الفلسطينية، حتى جاء قطعان المستوطنين وسرقوا الفرحة من على الوجوه، وسرقوا ثمار الشجرة المباركة، وعاثوا فسادًا وخرابًا، ومارسوا عربدة قطاع الطرق على الفلاح الفلسطيني الذي لا يجد من يدفع عنه وحشية أولئك الأغراب، ويرفع عن كاهله الظلم وغطرسة المحتل، ويحمي عائلته وبيته وحقله.
ومع انطلاق موسم قطف الزيتون هذا العام، استعرت قطعان المستوطنين وبدأت تمارس وحشيتها في كل مكان وكل حقل من حقول البلاد، فلا يسلم حقل، ولم تسلم شجرة، وكل هذا يحدث أمام أعين جنود الاحتلال الذين يشاهدون الاعتداءات بعين الصمت، ويبطشون بالأهالي أصحاب الأرض، ويحمون المستوطنين.
لقد اتسعت رقعة اعتداءات المستوطنين، وهم ينتشرون في كل مكان وعلى امتداد الضفة الفلسطينية، من جنوبها وحتى الشمال، مدججين بالسلاح ومعبئين بالكراهية والإجرام، وأمام أعين العالم الذي يشاهد جرائمهم في وضح النهار، فلا زيتوننا يسلم منهم، ولا حقولنا ومواشينا، وعلى الفلسطيني أن يصبر كصبار البلاد، وأن يحتمل هذه المعاناة المستمرة حتى يرحل الأغراب عن أرضنا.
إن خطط اليمين العنصري تدفع بهذه الجماعات الإرهابية لكي تصعّد الأوضاع في الضفة، وتجد الأعذار لمواصلة خطة التهجير والتقتيل والسرقة والاستيلاء، وهذا ما يراهن عليه أمثال بن غفير وسموتريتش، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات نهاية الشهر الحالي، وبالتالي، فنحن أمام أيام صعبة تحتاج من كل فلسطيني إلى المزيد من الصبر والحكمة لقطع الطريق أمام الخطط المعدّة، ولكن الرهان على الصبر وحده ليس دائمًا هو الحل، لأن للصبر حدودًا، وجرائم المستوطنين ترتفع بلا حدود.
كان موسم قطف الزيتون مناسبة عزيزة، أيامها فرح، ووقتها نشيد وأغانٍ، وخيرها حصاد وفير، وزيتها يكاد يضيء، ومع جرائم المستوطنين الأغراب، تحولت الأيام إلى قهر وخوف وصدّ للاعتداءات، وتبدلت مواسم الحصاد إلى مواسم خيبة وبكاء وعويل، ومع كل يوم نرى مشاهد قاهرة في كل مكان، وضغطًا مستمرًا على المواطن الفلسطيني في شتى نواحي الحياة، فلا يسلم من اعتداءات المستوطنين فلاح ولا معلمة ولا طبيب ولا وزير ولا طالب ولا مهندسة.
إن مسلسل إرهاب المستوطنين المتصاعد والاعتداءات اليومية المتكررة في كل بلدة وكل قرية، يدفع بالواقع إلى مصائر غير متوقعة، فالضغط المتواصل يولّد الانفجار، وهذا يجعلنا نجدد المطالبة بضرورة التحرك السريع من قبل المجتمع الدولي ودول العالم وفي مقدمته أمريكا، لرفع هذا الظلم وهذه الجرائم، ووقفالاعتداءات، وحماية الفلسطينيين من هؤلاء الأشرار الذين لا يجدون ما يردعهم، بل يتحركون تحت حماية جنود الاحتلال، بينما الفلسطيني الأعزل لا يجد من يحميه ومن يُبعد عنه شر المستوطنين.
التعليقات (0)