أحدثت حرب الإبادة المستمرة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة انقسامات سياسية واجتماعية حادة داخل المجتمع الفرنسي، الذي يحتضن أكبر الجاليات المسلمة واليهودية في القارة الأوروبية. وقد انعكس هذا التباين بوضوح على الساحة الإعلامية، حيث برزت تساؤلات جوهرية حول قدرة المؤسسات الصحافية على الحفاظ على استقلاليتها المهنية في ظل ضغوط سياسية واجتماعية معقدة.
وفي قراءة نقدية للمشهد، أكد الجيوسياسي الفرنسي باسكال بونيفاس أن التغطية الإعلامية الفرنسية تميل بشكل صارخ لصالح الرواية الإسرائيلية، دون فرق يذكر بين القطاعين العام والخاص. وأشار مؤسس معهد 'إيريس' إلى أن المنصات الإعلامية تفتح أبوابها باستمرار للسفير الإسرائيلي لعرض وجهة نظره دون معارضة، في حين يتم تغييب السفيرة الفلسطينية بشكل شبه كامل منذ بداية الصراع.
ويرى بونيفاس أن هناك عوامل بنيوية تساهم في هذا الانحياز، منها ما وصفه بـ'التضامن الحضاري' الذي يرى في إسرائيل امتداداً للغرب، بالإضافة إلى تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا. كما لفت إلى أن الخوف من الاتهام بمعاداة السامية بات سيفاً مسلطاً يمنع الكثيرين من انتقاد حكومة بنيامين نتنياهو، مما يؤدي في النهاية إلى حجب المعاناة الحقيقية لسكان غزة والضفة الغربية.
من جانبه، أوضح الإعلامي حسان التليلي أن غالبية وسائل الإعلام الغربية سقطت في فخ التراجع عن القواعد المهنية الأساسية، وفي مقدمتها وضع الأحداث في سياقها التاريخي الصحيح. واعتبر أن التركيز على أحداث السابع من أكتوبر وتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر، ساهم في تبرير الحرب الإسرائيلية تحت شعار 'الدفاع عن النفس'، مع تهميش عقود من الاحتلال والاستيطان والاضطهاد.
وأشار التليلي إلى أن معركة السرديات انتقلت إلى فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت الساحة الأساسية لكشف الحقائق بعيداً عن مقص الرقيب التقليدي. فقد ساهمت المقاطع المصورة القادمة من الميدان، وبعضها نشره جنود الاحتلال أنفسهم، في إحداث تحول ملموس في مواقف الرأي العام الغربي، لا سيما بين فئات الشباب التي باتت أكثر تشكيكاً في الروايات الرسمية.
وفي سياق متصل، اعتبر المحلل السياسي محمد كلش أن الإعلام الفرنسي يواجه اليوم اختباراً حقيقياً لمصداقيته أمام الجمهور الذي يرى حجم الدمار الهائل في قطاع غزة عبر شاشات هواتفه. وأكد أن الصور والمشاهد الحية للمأساة الإنسانية بدأت تفرض نفسها تدريجياً، مما أجبر بعض المؤسسات على مراجعة حدة خطابها المنحاز ومحاولة إيجاد مساحة، ولو ضيقة، لنقل صوت الضحايا.
التعليقات (0)