الأربعاء 07 أكتوبر 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس
عندما نتحدث عن الهندسة، يتبادر إلى الذهن البناء والجسور والطرق والمنشآت، لكن مفهومها أوسع من ذلك؛ فهي في جوهرها طريقة في التفكير تقوم على فهم المشكلة، وتحليل نقاط الضعف، وإدارة الموارد، وبناء حلول تستطيع العمل حتى تحت الضغط.وفي فلسطين، نحن بحاجة إلى هذا النوع من التفكير ليس في المشاريع فقط، بل في الإدارة والسياسة وصناعة القرار.فنحن لا ندير دولة ومؤسسات وخدمات في ظروف طبيعية. نحن نعيش تحت احتلال يستطيع إغلاق طريق، أو عزل تجمع سكاني، أو تعطيل الوصول إلى أرض أو منشأة، فيما تتعرض بنية تحتية أساسية للاعتداء والتدمير بصورة متكررة.ووفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، جرى حتى منتصف أيلول 2026 توثيق أكثر من 1,600 اعتداء للمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما في 275 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية، بمتوسط 6.7 اعتداء يومياً، مقارنة بخمسة اعتداءات يومياً خلال عام 2025.وفي قطاع المياه وحده، تشير تقارير المكتب إلى تعرض نحو 160 منشأة للمياه والصرف الصحي منذ بداية عام 2026 وحتى تموز للضرر أو التدمير أو الاستيلاء عليها نتيجة اعتداءات المستوطنين، وكان أكثر من نصفها خزانات مياه.هذه ليست أرقاماً نقرأها في التقارير ثم ننتقل إلى غيرها؛ إنها مؤشرات يجب أن تغير طريقة تفكيرنا وإدارتنا.وهنا يأتي السؤال الأهم:هل ما زلنا ندير مؤسساتنا وفق الظروف الطبيعية، أم بدأنا فعلاً نبنيها وفق السيناريو الأسوأ؟السيناريو الأسوأ لا يعني التشاؤم، بل يعني أن نتوقع أن تتعطل عدة عناصر في الوقت نفسه.ماذا لو أُغلق مدخل بلدة، وتضرر خط المياه، وانقطعت الكهرباء، وتعذر وصول جزء من الموظفين، وحدثت إصابات في الوقت نفسه؟ماذا لو استمر ذلك ثلاثة أيام، أو أسبوعاً؟كم تستطيع البلدة أن تصمد؟ وكيف تستمر خدماتها؟ ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار؟ وهل يستطيع المسؤول الميداني التحرك بسرعة، أم سيقضي الساعات الأولى في انتظار الموافقات والمراسلات؟هنا تحديداً يجب أن تتغير طريقة الإدارة.فالعمل في ظرف استثنائي بعقلية الظرف الطبيعي قد يكون بحد ذاته نقطة ضعف.ومن هنا، فإن الحديث عن أداء الحكومة الحالية يجب ألا يقتصر على تعداد الأزمات التي تواجهها. نعم، تعمل الحكومة في ظروف سياسية ومالية صعبة، والاحتلال يفرض قيوداً حقيقية على الحركة والموارد والتنمية، وهذا واقع لا يمكن تجاهله.لكن الاحتلال لا يجوز أن يتحول إلى إجابة جاهزة عن كل خلل، أو مبرر دائم لعدم تطوير أدواتنا الداخلية.هناك أمور يفرضها الاحتلال ولا نملك منعها، وهناك في المقابل قرارات إدارية، وإجراءات، وأولويات، واستثمار في الموارد البشرية، وسرعة استجابة، وتنسيق بين المؤسسات تقع ضمن مسؤوليتنا نحن.وهنا يجب أن تكون المراجعة صريحة.لا يمكن أن نبقى ملتزمين بحذافير إجراءات وُضعت لظروف طبيعية، ثم نتوقع منها أن تكون فعالة في ظرف استثنائي ومتغير. كما لا يمكن التعامل مع بعض الأنظمة وكأن الزمن توقف عند لحظة إصدارها.القانون يجب أن يحمي المؤسسة وينظم القرار، لا أن يمنعها من اتخاذه.وهذا لا يعني تجاوز القانون، بل يعني امتلاك الشجاعة المؤسسية لمراجعته وتطويره، واستخدام الصلاحيات والاستثناءات القانونية المتاحة عند الضرورة، واقتراح تعديلات عندما تصبح بعض الإجراءات غير مناسبة للواقع.فإذا كان الواقع يتغير بسرعة، يجب أن تتطور أدوات الدولة معه.الحكومة التي تعمل تحت الاحتلال لا تحتاج إلى إدارة أقل مرونة، بل إلى إدارة أكثر مرونة وجرأة وقدرة على اتخاذ القرار، مع الحفاظ على الرقابة والمساءلة.كما أننا لا نحتاج في كل أزمة إلى تشكيل لجنة جديدة بقدر حاجتنا إلى سؤال بسيط: من يملك المعرفة؟ ومن يستطيع اتخاذ القرار؟ ومن سينفذ؟ ومتى سنقيس النتيجة؟فالاجتماع ليس إنجازاً، والتعميم ليس سياسة، والخطة ليست ناجحة لأنها مكتوبة.النجاح يظهر عندما يشعر المواطن بالنتيجة.وهنا تلتقي الإدارة بالسياسة والهندسة والتنمية.فالصمود ليس شعاراً وطنياً فقط. المواطن الذي نطالبه بالبقاء على أرضه يحتاج إلى ماء وكهرباء وطريق ومستشفى واتصالات وتعليم وخدمات أساسية تستطيع الاستمرار.ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطرت الجهات الإنسانية خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 إلى توفير قرابة 44 ألف متر مكعب من المياه المنقولة بالصهاريج لنحو 17 ألف شخص في 51 تجمعاً فلسطينياً متضرراً.إيصال المياه ضرورة، لكن الإدارة الاستراتيجية يجب أن تسأل في اليوم التالي: كيف نجعل هذه التجمعات أقل احتياجاً إلى الصهاريج في الأزمة القادمة؟هنا ننتقل من إدارة الأزمة إلى تقليل الهشاشة.مصادر متعددة للمياه والطاقة، بنية تحتية أكثر مرونة، موارد موزعة جغرافياً، بيانات دقيقة، صلاحيات واضحة، حلول تكنولوجية، إدارة أفضل للموارد، وقرارات تُبنى على السيناريو الأسوأ لا على افتراض أن الغد سيكون يوماً طبيعياً.لكن كل ذلك يحتاج إلى الإنسان القادر على التفكير والتنفيذ.وهنا يأتي ملف الشباب.لدينا جيل فلسطيني واسع من المتخصصين في الإدارة والاقتصاد والهندسة والطب والتكنولوجيا والطاقة والبيانات والتخطيط وإدارة المخاطر، كثير منهم يمتلك تعليماً حديثاً وتجارب ميدانية وأفكاراً تستحق أن تصل إلى مواقع التأثير.لكن علاقتنا بالشباب يجب أن تتغير.لا يجوز أن نتذكر الشباب عندما نحتاج إلى أصواتهم في الانتخابات، أو إلى أعدادهم في الفعاليات، أو إلى حماسهم في الأزمات، ثم نعود بعد ذلك إلى الدوائر والأسماء نفسها عندما يحين وقت التخطيط واتخاذ القرار.الشباب ليسوا جمهوراً احتياطياً.ولا يكفي أن نضع شاباً في صورة، أو مجلس استشاري بلا صلاحيات، أو فعالية تحمل عنوان "تمكين الشباب"، ثم تبقى مساحات القرار الفعلية مغلقة.إذا كنا نؤمن فعلاً بأن الشباب يمثلون المستقبل، فمن الطبيعي أن يكونوا جزءاً من صناعة الحاضر.وهذا لا يعني إعطاء المسؤولية على أساس العمر، كما لا يجوز منعها بسببه.المعيار يجب أن يكون الكفاءة.نحتاج إلى الجمع بين أصحاب التجربة الطويلة وبين جيل يمتلك أدوات جديدة، وإلى فتح المجال أمام الكفاءات للمشاركة في التخطيط وصناعة القرار والتنفيذ والتقييم، لا استدعائها فقط بعد اكتمال القرار لتنفيذه.وهنا يظهر المعنى الحقيقي للتكنوقراط في بناء القدرة الوطنية.أن نواجه الهشاشة بالعلم والإدارة والتنمية؛ فنقابل احتمالية انقطاع المياه بالبديل، وتعطل الطاقة بالمرونة، وإغلاق الطرق بتعدد الخيارات، وضعف الموارد بحسن إدارتها، والبيروقراطية بقرار مسؤول، ومحاولات تعطيل الحياة بقدرة أكبر على استمرارها.فالمدينة ليست شبكة مياه وحدها، ولا مستشفى وحده، ولا بلدية وحدها. إنها منظومة مترابطة؛ وإذا انهارت حلقة رئيسية فيها، قد تنتقل المشكلة سريعاً إلى بقية القطاعات.ولهذا يجب أن نفكر في السيناريو الأسوأ المركب:ماذا لو تزامن إغلاق الطرق مع تعطل الكهرباء والمياه والاتصالات؟من يقرر؟ما الأولوية؟وما الذي تستطيع كل محافظة أو مدينة أو بلدة القيام به قبل وصول المساعدة من الخارج؟وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى مثال قريب من هذه الهشاشة؛ ففي المسعودية بمحافظة نابلس، أدى الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للكهرباء خلال أيلول 2026 إلى انقطاع التيار عن نحو 12 أسرة لمدة ثلاثة أيام.السؤال ليس عن 12 أسرة فقط.السؤال: ماذا لو كان العدد 12 ألفاً؟هل لدينا الأدوات والمرونة والصلاحيات والكوادر والبدائل للتعامل مع ذلك؟هذا هو الاختبار الحقيقي.إن بناء الدولة لا يبدأ فقط بالمؤسسات والمسميات والقوانين، بل بقدرة هذه المؤسسات على التكيف عندما يتغير الواقع.والقانون الذي يحتاج إلى تطوير يجب أن يُطور، والإجراء الذي يعرقل العمل يجب أن يُراجع، والكفاءة الموجودة خارج دائرة القرار يجب أن يُفتح لها الباب، والشباب يجب أن يكونوا شركاء طوال الوقت لا موسماً انتخابياً، والاحتلال يجب أن نواجه آثاره ببناء قدرتنا لا أن نسمح له بأن يصبح تفسيراً لكل ما لم ننجزه.نحن لا نملك التحكم في جميع المخاطر التي تحيط بنا، لكننا نملك مسؤولية كبيرة عن طريقة استعدادنا لها وإدارتنا لآثارها.وهنا تصبح هندسة الصمود مشروعاً وطنياً وإدارياً وسياسياً في الوقت نفسه:أن نبني مؤسسات تتعلم، وحكومة تتكيف، وقوانين تتطور، وموارد تُدار بكفاءة، وشباباً يشاركون في القرار، ومجتمعاً يستطيع الاستمرار حتى عندما يأتي السيناريو الأسوأ.فالدولة القوية ليست التي تفترض أن الظروف ستبقى طبيعية، بل التي تعرف كيف تستمر عندما لا يبقى شيء طبيعياً.
هندسة الصمود... الشباب والتكنوقراط في بناء القدرة الوطنية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)