الأربعاء 07 أكتوبر 2026 8:55 صباحًا - بتوقيت القدس
مع اقتراب مئوية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام ٢٠٢٨، تبدو التجربة أمام مراجعة ضرورية تتناول مسيرتها الدعوية والسياسية، وما حققته وما أخفقت فيه، والأسئلة التي تفرضها تحولات الحاضر. فالجماعة التي نشأت في مصر عام ١٩٢٨ على يد الإمام حسن البنا، بعد إلغاء الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤، سعت إلى بناء الفرد والأسرة والمجتمع على أساس إسلامي، ثم اتسع نشاطها ليشمل العمل الاجتماعي والسياسي.وقد جاء ظهور الحركة في زمن تصاعد فيه النفوذ الاستعماري، وتراجعت فيه مكانة قوى أوروبية، وبدأت أنظمة وطنية جديدة تتشكل في المنطقة. ورأى إسلاميون أن هذه الأنظمة لم تحقق الاستقلال الكامل، وأن بعضها أبقى البلدان ضمن دوائر التبعية السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «القابلية للاستعمار» الذي صاغه المفكر مالك بن نبي، داعيًا إلى فحص عوامل الضعف الداخلية، إلى جانب نقد السيطرة الخارجية.وظلت فلسطين قضية مركزية في الوعي الإسلامي والعربي؛ فقد كان قيام إسرائيل وما رافقه من تهجير واحتلال جرحًا عميقًا في وجدان الأمة. ثم جاءت هزيمة عام ١٩٦٧ لتعمّق الشعور بالانكسار، وتُسرّع انتشار التيارات الإسلامية في بلدان عربية عدة. واتسع حضور الحركة في الجامعات والنقابات والمؤسسات الاجتماعية، وامتد إلى الجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا. غير أن اتساع الصحوة لم يتحول، في كثير من الحالات، إلى إصلاح سياسي مستقر أو مشاركة متوازنة في إدارة الدولة.ومن دروس المئة عام أن الصدام الطويل بين الأنظمة والمعارضات الإسلامية أضعف الطرفين، واستنزف المجتمعات، وصرف الجهد عن قضايا التنمية والعدالة والاستقلال الوطني. وقد أخفقت بعض الحركات في طمأنة خصومها إلى قبول التعددية وتداول السلطة، فيما أخفقت أنظمة في قبول المنافسة السياسية وفتح المجال العام. ولا يمكن تجاوز هذه الدائرة إلا بعقد سياسي واضح يحمي حرية التنظيم والتعبير، ويصون مؤسسات الدولة، ويضمن التنافس السلمي والاحتكام إلى الانتخابات والقانون.وتحتاج الحركات الإسلامية إلى مراجعة خطابها وممارستها: قبول حق المجتمع في التعدد، وصون حقوق المخالفين، وتجديد مؤسساتها، وتقديم برامج قابلة للتنفيذ، وإبداء الاستعداد للمحاسبة وتصحيح الأخطاء. كما ينبغي التمييز بين الدعوة والعمل الحزبي، حيث تقتضي المصلحة والشفافية ذلك. وفي المقابل، تقع على الأنظمة مسؤولية التمييز بين المعارضة السلمية والعنف، ووقف الإقصاء الجماعي والعقاب المفتوح؛ فالتجريم الواسع لا يحقق الاستقرار، كما أن العنف أو الدعوة إلى إسقاط الدولة بالقوة لا يصنعان إصلاحًا.وتستدعي الاتهامات بالتطرف والإرهاب موقفًا عمليًا واضحًا: رفض استهداف المدنيين والعنف السياسي، ومراجعة أي خطاب يبررهما، مع التمييز بين تجارب إسلامية متنوعة وعدم تحميل تيار كامل مسؤولية أفعال جماعات أو أفراد. كما يجب التفريق بين مقاومة الاحتلال وفق القانون الدولي وبين ممارسات لا يقرها القانون ولا تخدم حقوق الشعوب. وتُواجَه الإسلاموفوبيا والتمييز ضد المسلمين بالعمل القانوني والسياسي وبناء التحالفات، لا بالتعميم أو اتهام المجتمعات الغربية كلها.ومن المهم أن تنظر الحركات الإسلامية إلى الحضور الإسلامي الكبير في الغرب باعتباره واقعًا ومسؤولية، وأن تتعامل مع هذه المجتمعات بوصفها ساحات للدعوة والتعارف والعمل المشترك، لا «ديار حرب». فالمسلمون هناك مواطنون وشركاء في بناء مجتمعاتهم، ويمكنهم التعاون مع مواطنيهم المسيحيين وغيرهم على أساس الاحترام المتبادل وحرية الاعتقاد، بما ينسجم مع المعنى الصحيح لقوله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ".كما ينبغي قراءة تعدد المواقف داخل الجماعات اليهودية، والتمييز بين معاداة اليهود بسبب دينهم أو أصلهم، وبين نقد الصهيونية وإدانة جرائم إسرائيل ومظالمها بحق الفلسطينيين؛ فانتقاد الاحتلال والمطالبة بالعدالة لا يصبحان معاداة للسامية لمجرد صدورهما عن منتقدي السياسة الإسرائيلية. كذلك يتطلب تصويب البوصلة تغيير النظرة إلى اليسار؛ فهو منافس سياسي نتفق معه أو نختلف، ويمكن التفاهم معه على ما يخدم المصالح الوطنية العليا والسلم الأهلي والدولي، بعيدًا عن الإقصاء والاحتراب.وتبقى فلسطين قضية جامعة؛ إن نصرة حقوق الفلسطينيين ومساندة صمودهم تحتاجان إلى رؤية سياسية وأخلاقية، وعمل يوسّع التضامن الدولي ويحفظ الإنسان وحقوقه. كما أن معالجة الانقسامات الطائفية تقتضي رفض التحريض والتكفير، وتقديم المواطنة والعدالة والتعاون على الاستقطاب الذي يستنزف المجتمعات ويضعف قضاياها.وفي هذا السياق، يجري العمل على مشروع لإصدار موسوعة عن مئوية الإخوان المسلمين، يتولى مركز الرافدين للحوار في النجف الأشرف بالعراق أحد محاوره، بمشاركة مفكرين إسلاميين من بلدان عربية عدة. وتهدف الموسوعة إلى تقييم التجربة واستشراف مستقبل الحركة، وقد سعدت بأن أكون من بين النخبة الفكرية المشاركة في هذا التقييم.إن مراجعة المئة عام لا تعني إنكار الأخطاء أو إلغاء الحركة، بل استخلاص الدروس والانتقال من منطق الغلبة إلى الشراكة، ومن الشعارات إلى البرامج، ومن الإقصاء إلى التنافس الديمقراطي؛ فنهضة الأمة لا يصنعها طرف منفرد، بل تبدأ بتوافق وطني يحترم الإنسان والقانون، ويتيح تداول السلطة، ويوجه الجهود نحو مواجهة الاحتلال والتخلف والفقر والتبعية، وبناء دول عادلة وقوية تحمي شعوبها وحقوقها.
الإخوان المسلمون بعد قرن: مراجعاتٌ لبوصلة الأفكار والمواقف
عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)