في عام 964 للميلاد، جلس الفلكي عبد الرحمن الصوفي في أصفهان يُتم واحدا من أهم كتب الرصد في التاريخ، "صور الكواكب الثابتة"، وصف فيه أكثر من ألف نجم بمواقعها وأقدارها وألوانها، ورسم لكل كوكبة صورتها، وسجل بين سطوره لطخة باهتة في كوكبة سميت المرأة المسلسلة، أطلق عليها لقب "اللطخة السحابية"، وهي ما نعرفه اليوم بـ "مجرة أندروميدا"، أول مجرة خارج مجرتنا يرد ذكرها مكتوبا.
وفي الكتاب نفسه إشارة أغرب. فقد نقل الصوفي عن أهل تهامة خبر تجمع سماوي لا يُرى من العراق ولا من نجد، لكنه يظهر من مضيق باب المندب. كانوا يسمونه "البقر"، ذلك هو ما ستسمّيه أوروبا بعد خمسة قرون "سحابة ماجلان الكبرى"، وهي مجرة قزمة تبعد عنا نحو 160 ألف سنة ضوئية.
لم يكن الصوفي وحيدا. قبله وبعده، بنى فلكيو بغداد ودمشق ومراغة وسمرقند مراصد ودونوا أزياجا، وأعاد ابن الهيثم في "كتاب المناظر" بناء علم الضوء على التجربة، ووصف البيروني درب التبانة بأنه حشد من نجوم سديمية لا تُحصى، وكان سؤالهم واحدا: ماذا يخبرنا الضوء الآتي من السماء؟
بعد ألف عام ونيّف، عاد ذلك السؤال من حيث لا يتوقع أحد. ففي عام 1987، انفجر نجم في "بقر" الصوفي نفسه، أي في سحابة ماجلان الكبرى، فوصلت إلى الأرض ومضة ضوء ورشقة من جسيمات خفية اسمها "النيوترينو"، التقطتها كواشف في اليابان والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. كانت تلك المرة الأولى التي "يرى" فيها البشر نجما منفجرا يُصدر هذه الجسيمات.
واليوم، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تمنح الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء لرجل جعل من جليد القطب الجنوبي عينا ترى هذه الجسيمات، بل وتعد بشيء لم يكن الصوفي يحلم به، وهو البوح بأسرار ما حدث في الثانية الأولى من نشأة الكون كله، وربما لو وقع ذلك الكشف قديما، لفعل صديقنا ما اعتاد على فعله طوال سنوات، وهو أن يرصد ويدقق الحسابات، ويسجل ما يرى أمامه.
حين رن الهاتف صباح الثلاثاء، كان فرانسيس هالزن في إيطاليا. قال للجنة إنها كانت "مفاجأة كبيرة" لم يتوقعها. نال عالم الفيزياء البلجيكي الأمريكي، والأستاذ في جامعة ويسكونسن-ماديسون الجائزة منفردا، "لإسهاماته الحاسمة في بناء مرصد آيس كيوب، واكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل كوني"، الجسيمات التي وصفتها الأمينة العامة للأكاديمية، إيلين مونز، بأنها "رُسُل شبحية من الفضاء".
التعليقات (0)