الكاتب: د. باسم خضر التميمي
لم يعد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية المحتلة مجرد استجابة لضغط ديموغرافي أو امتداد لعشوائيات سكنية تفرضها جماعات متطرفة؛ بل تحوّل إلى هندسة سياسية ممنهجة وإستراتيجية مدروسة تُقاد من أعلى الهرم السياسي، متمثلًا بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
وتشير المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية حتى أكتوبر 2026 إلى أن سلطات الاحتلال تسابق الزمن لفرض واقع جغرافي وسياسي لا رجعة فيه، يهدف إلى تقويض فرصة إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، والانتقال بالضفة نحو "الضم الفعلي" تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة.
تمثل إعادة الهيكلة القانونية والإدارية ومأسسة الاستيطان التحول الأبرز في المشهد الراهن؛ حيث أدى منح سموتريتش صلاحيات واسعة داخل وزارة الجيش للإشراف على ملفات التخطيط والبناء و"الإدارة المدنية" في المنطقة "ج" (60% من مساحة الضفة المحتلة)، إلى تحول بنيوي في تمرير المشاريع الاستيطانية. وبموجب ذلك، قُلّصت صلاحيات وزير الجيش التقليدية في منح التراخيص لصالح وزير المالية، مما سرّع وتيرة المصادقة على المشاريع بشكل غير مسبوق لشرعنة وتقنين أكبر عدد من البؤر والمزارع الاستيطانية قبل الانتخابات المقبلة، وبناء جدار قانوني محلي يصعب تجاوزه مستقبلًا.
تتضح الطبيعة الهيكلية للاستيطان في توزيع البؤر الرعوية والجديدة، إذ اعتمدت إستراتيجية "عكس الخرائط" لتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وخلق تواصل استيطاني؛ فتحولت البؤر الاستيطانية من تجمعات معزولة إلى أدوات لبناء تواصل جغرافي بين المستوطنات الكبرى مقابل القضاء على تواصل الامتداد الفلسطيني. وصيغت هذه الرؤية لتفكيك نموذج "خطة ترامب" التي كانت تمنح الفلسطينيين تواصلًا جغرافيًا؛ فتسعى الحكومة الحالية لخنق الكتلة الحضرية الوسطى، وإعادة تنظيم الحركة في طرق إستراتيجية كالشارع رقم (463) لفصل شمال رام الله عن جنوبها وعزل قراها.
وامتدت هذه الهندسة لفصل جنوب الضفة عبر غرس بؤر استيطانية جديدة مثل "غد نتان" و"معاليه عروغوت" لقطع التواصل الجغرافي بين الخليل وبيت لحم، وحصر تجمعات كالولجة وبتير ونحالين داخل كانتونات مغلقة. ويتكامل هذا مع توسيع كتل الجنوب في "عسائيل" و"بيت حجاي"، ومحاولات استعادة السيطرة شمالًا لإعادة إقامة مستوطنتي "غانيم" و"كاديم" المخلاة سابقًا في جنين.
التعليقات (0)