f 𝕏 W
بين البيت والمدرسة: صناعة الاحترام لا فرضه

جريدة القدس

سياسة منذ 25 دق 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

بين البيت والمدرسة: صناعة الاحترام لا فرضه

الثّلاثاء 06 أكتوبر 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يعود الابن من المدرسة متجهما، أو حين تتلقى الأسرة اتصالا عن مشكلة سلوكية داخل الصف، يشيع سؤال سريع في البيوت: «من المسؤول؟». هل هي المدرسة التي لم تعد حازمة؟ أم الأسرة التي لم تضع حدودا كافية؟ أم الهاتف، والأصدقاء، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتحولات الزمن؟غير أن هذا السؤال، على أهميته، قد يقودنا إلى تبسيط قضية إنسانية وتربوية شديدة التعقيد. فالطفل لا ينمو في مساحة واحدة، ولا يتعلم احترامه للآخرين من مصدر واحد. إن شخصيته تتشكل في تفاعل يومي بين البيت والمدرسة والرفاق والفضاء الرقمي، وبين الخبرات التي تمنحه شعورا بالأمان والقبول وتلك التي تجعله يشعر بالتهميش أو العجز أو الغضب. ولهذا فإن البحث عن طرف واحد نحمّله المسؤولية لا يقرّبنا من الحل، بل يعمّق المسافة بين الشركاء الحقيقيين في تربية الإنسان.تواجه مدارسنا اليوم أسئلة ملحة حول الانضباط، والالتزام بالزي المدرسي، وتراجع الحافز نحو التعلم، ومكانة المعلم داخل الصف. وهي أسئلة لا يجوز التعامل معها بوصفها مؤشرات على «فساد جيل» أو على انهيار أخلاق الأبناء. فالمراهق، في جوهر نموه النفسي، يمر بمرحلة طبيعية يبحث فيها عن هويته، ويختبر الحدود، ويحتاج إلى أن يُرى ويُسمع ويُعامل بجدية. هذا لا يبرر الإساءة أو مخالفة القواعد، لكنه يذكرنا بأن السلوك المزعج ليس دائما رغبة واعية في الهدم ، فقد يكون أحيانا تعبيرا مرتبكا عن حاجة إلى التقدير، أو عن خوف من الفشل، أو عن شعور بأن المدرسة لا تفهم عالمه.ومن هنا، ينبغي أن نعيد النظر في معنى السلطة التربوية. فالسلطة التي تحتاجها المدرسة ليست سلطة الخوف أو الإذلال أو إسكات الأسئلة، وليست في الوقت نفسه سلطة مترددة تخشى اتخاذ أي قرار. إنما هي سلطة مهنية عادلة، معلم يملك المعرفة، ويعرف طلابه، ويضع حدودا واضحة، ويطبقها على الجميع دون تحيز، ويستطيع أن يستمع ويحسم في الوقت ذاته. الاحترام الحقيقي لا ينمو حين يهاب الطالب العقوبة فحسب، بل حين يطمئن إلى أن من أمامه عادل، وأن القاعدة لا تتغير بحسب الشخص أو المزاج أو النفوذ.المعلم في هذا المعنى ليس موظفا يؤدي حصة دراسية ثم يغادر، بل هو أحد أكثر الوجوه حضورا في ذاكرة الطالب. كلمة تقدير منه قد تعيد إلى طالب ثقته بنفسه، وموقف منصف قد يعلّم فصلا كاملا معنى العدالة، كما أن تجاهل معاناته أو تركه وحيدا أمام مشكلات الصف ينعكس على جودة التعليم وعلى إحساس الطلاب بأمان المدرسة. لذلك، فإن الدفاع عن المعلم ليس امتيازا فئويا، بل دفاع عن حق الطلاب في بيئة تعلم مستقرة ومحترمة. لكنه دفاع لا يكتمل إلا بضمان حق الطالب في الكرامة، وفي أن تُسمع روايته، وفي أن تُعالج أخطاؤه تربويا لا انتقاميا.ولعل الجدل حول الزي المدرسي يقدم مثالا واضحا على الحاجة إلى هذا التوازن. فالزي ليس قطعة قماش وحسب .يمكن أن يكون رمزا للانتماء والمساواة والهوية المشتركة، وأن يخفف من المقارنات الاستهلاكية بين الطلاب. لكنه قد يتحول إلى مصدر توتر إذا كانت قواعده غامضة أو مكلفة أو تطبق بانتقائية، أو إذا فُرض دون أن يفهم الطلاب الغاية منه. إن اهتمام المراهق بمظهره ليس جريمة تربوية، بل جزء من محاولته الطبيعية لتكوين صورة عن ذاته. والمهمة ليست أن نكسر هذه الرغبة، بل أن نساعده على التوفيق بين التعبير عن شخصيته واحترام المكان العام الذي ينتمي إليه.والأمر ذاته يصدق على الدرجات والدافعية الأكاديمية. كثير من الطلاب لا يرفضون التعلم في ذاته، بل يرفضون إحساسهم بأن ما يتعلمونه لا يمت إلى حياتهم بصلة، أو أنهم يُقاسون برقم لا يعكس قدراتهم المختلفة، أو أن الخطأ في الامتحان يتحول إلى حكم نهائي على قيمتهم. في زمن تتغير فيه المعارف والمهارات بوتيرة متسارعة، تصبح المدرسة مطالبة بأن تمنح الطالب أكثر من إجابة صحيحة ،أن تعلّمه كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يتعاون، وكيف يعرض فكرته، وكيف يستخدم أدوات العصر بمسؤولية أخلاقية. لا يعني ذلك التقليل من قيمة التحصيل أو إلغاء الاختبارات، بل يعني أن تكون العلامة جزءا من رحلة تعلم أوسع، لا غايتها الوحيدة ولا نهايتها.أما الأسرة، فهي ليست طرفا مراقبا من بعيد، ولا محاميًا دائما عن الابن، ولا سلطة عقابية موازية للمدرسة. الأسرة الشريكة هي التي تستمع أولا، وتسأل قبل أن تحكم، وتساعد ابنها على تسمية ما حدث وفهم أثره. فعندما تقع مشكلة مدرسية، لا يكون السؤال المفيد: «من انتصر؟» بل: «ماذا حدث؟ ومن تأذى؟ وكيف يمكن إصلاح الأمر؟ وما المهارة التي يحتاجها الطالب كي يتصرف بصورة أفضل في المرة القادمة؟». بهذه الروح، يتحول الخطأ من وصمة إلى فرصة للنمو، ومن مناسبة للصراع إلى تدريب عملي على تحمل المسؤولية.إن اتفاق البيت والمدرسة لا يعني أن يتبنى كل منهما رواية الآخر بلا نقد، ولا أن يُحاصر الطالب بين سلطتين. بل يعني أن يتفق الجميع على مبادئ إنسانية لا خلاف عليها: أن الاحترام متبادل، وأن الكرامة مصونة، وأن الحق يقابله واجب، وأن الخطأ لا يلغي قيمة الإنسان، لكنه يقتضي إصلاحا وتعلما. وحين يشعر الطالب أن والديه ومعلميه لا يتنافسان في السيطرة عليه، بل يتعاونان من أجل مستقبله، يصبح أكثر قدرة على تقبل الحدود وأكثر استعداداً للحوار.إننا لا نحتاج إلى مدرسة أقل إنسانية باسم الانضباط، ولا إلى مدرسة أقل حزما باسم الحقوق. نحتاج إلى مدرسة تعرف أن النظام ليس نقيض الرحمة، وأن الرحمة ليست نقيض المساءلة. نحتاج إلى معلم مدعوم ومحترم، وإدارة عادلة وواضحة، وأسرة حاضرة لا متسرعة، وطالب يُعامل بوصفه إنسانا في طور التكوين، لا مشكلة ينبغي التخلص منها.فصناعة الاحترام لا تبدأ من رفع الصوت، ولا من توسيع قائمة العقوبات، ولا من تقديم الحرية بوصفها حقا بلا التزام. إنها تبدأ من علاقة يومية يشعر فيها الطفل بأن صوته مسموع، وحدوده معروفة، وخطأه قابل للإصلاح، ومعلمه جدير بالثقة، وأسرته سند له لا خصم. عندها فقط تصبح المدرسة والبيت شريكين حقيقيين في بناء إنسان يعرف حريته، ويحترم غيره، ويتحمل مسؤوليته.

بين البيت والمدرسة: صناعة الاحترام لا فرضه

أحمد عثمان جلاجل: صحفي مقدسي من بلدة سلوان

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)