لا يمثل السادس من أكتوبر في الوجدان المصري مجرد ذكرى عسكرية لنصر تاريخي، بل يأتي دائماً محفوفاً بنسائم موسيقية شكلت الروح الوطنية المعاصرة. لقد انبعث الغناء المصري من رماد نكسة 1967 التي خلفت صدمة وزلزالاً في اليقين الشعبي بسبب البيانات الإذاعية المضللة، ليتحول في عام 1973 إلى طاقة إبداعية حقيقية صادقة ترفض الزيف وتتمسك بحلم استرداد الأرض والكرامة.
ومع الساعات الأولى للعبور، شهدت أروقة الإذاعة والتلفزيون تدفقاً للمبدعين الذين قدموا أعمالهم تطوعاً، حيث كان نشيد 'الله أكبر بسم الله' للموسيقار بليغ حمدي والشاعر عبد الرحيم منصور أول صرخة فنية تعلن بزوغ فجر النصر. تميزت هذه المرحلة بانتقال الأغنية الوطنية من تمجيد الفرد إلى تمجيد الوطن والذات الإلهية، مما منح الأعمال الفنية ديمومة وقدرة على ملامسة قلوب الأجيال المتعاقبة.
بليغ حمدي، الذي وصف بأنه شعلة موسيقية لا تنطفئ، استطاع في غضون ساعات قليلة إنجاز لحنين خالدين هما 'الله أكبر' و'حلوة بلادي السمرا' بصوت وردة الجزائرية. هذه الأغنيات لم تكن مجرد ألحان عابرة، بل كانت تسجيلاً حياً لمشاعر الفخر والبهجة التي اجتاحت الشارع المصري، حيث امتزج فيها إيقاع الحرب بحرارة التعبير عن حب الأرض 'السمراء' التي رويت بدماء الشهداء.
وفي سياق تخليد التضحيات، برزت أغنية 'أم البطل' للفنانة شريفة فاضل كحالة إنسانية فريدة، كونها أماً فقدت ابنها فعلياً في ميدان القتال. حولت شريفة فاضل ببراعة ألم الفقد إلى غناء قوي متزن، فجاءت كلماتها وألحان علي إسماعيل لتعبر عن لوعة كل أم مصرية وعزائها في استشهاد أبنائها، مما جعل الأغنية أيقونة للحزن الممزوج بالفخر الوطني.
أما العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، فقد خلد النصر بسلسلة من الأعمال التي بدأت بـ 'لفي البلاد يا صبية' و'عاش اللي قال'، وصولاً إلى رائعته 'صباح الخير يا سينا' عام 1974. تعاون حليم مع الأبنودي وكمال الطويل لتقديم موال مصري حديث يحتفي بعودة الأرض، حيث اتسم الأداء بالبهجة والإشراق، وكأن صوت العندليب يصافح رمال سيناء المحررة بعد سنوات من الغياب.
وعلى مر العقود، تطورت أشكال الاحتفال الفني لتشمل 'الأوبريتات' الضخمة التي سادت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، بمشاركة قامات مثل عمار الشريعي. ورغم تغير الأدوات الفنية، تظل روح أكتوبر وقيم 'العبور' مستقرة في الوجدان المصري كمعنى واسع يتجاوز العمل العسكري، ليشمل العبور من كل ما هو مكروه إلى كل ما هو محبوب، ومن الانكسار إلى النهوض المتجدد.
التعليقات (0)