بدأنا الكتابة عن هذه الإبادة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. في الأيام الأولى، كانت كل قصة تصدمنا، وكنا نبحث عن الكلمات التي تليق بالفاجعة، ونشعر أن علينا أن نكتب بسرعة؛ لأن شيئًا بهذه البشاعة لا يحتمل التأجيل. كان كل خبر يبدو كأنه القصة التي لم يسبق للعالم أن قرأ مثلها: طفل تحت الأنقاض، أم تحمل أبناءها الذين لم يعودوا يتنفسون، عائلة كاملة تُمحى من السجل، مستشفى يُقصف، ومدرسة تتحول إلى مأوى ثم إلى مقبرة. كنا نكتب ونبكي ونغضب، ونبحث عن مفردات أكثر قسوة، لأن الكلمات التي نعرفها بدت صغيرة أمام ما يحدث. ثم مرّ الوقت، وبدأت القصص تتشابه. في البداية كنا نقول: هذه قصة بشعة. ثم: هذه أبشع قصة. ثم اكتشفنا أن السؤال نفسه لم يعد جديدًا. كان الموت ينتج موتًا آخر، والجريمة تلد جريمة، والأنقاض تخفي تحتها مزيدًا من القصص. وبدأنا نحن الذين نكتب نبحث عن «الأكثر غرابة»، كأن علينا أن نجد شيئًا لم يسبق أن حدث كي يستحق أن يُروى؛ شيئًا يصدم العالم مرة أخرى، ويجعل القارئ الذي اعتاد صور الأطفال تحت الأنقاض يتوقف ويقول: لا، هذه المرة مختلفة. لكن ماذا تفعل حين لا تعود هناك «مرة مختلفة»؟ حين يصبح المستحيل حدثًا يوميًا؟ ماذا نكتب حين تتكرر كلمات مثل: «مجزرة»، «إبادة»، «جثث»، «أطفال»، «أمهات»، «نزوح»، «جوع»، و«مقابر جماعية» إلى الحد الذي تبدأ فيه اللغة نفسها بفقدان قدرتها على الاهتزاز؟ أخاف أحيانًا من هذه الألفة أكثر مما أخاف من الأخبار نفسها. لا أظن أنني توقفت عن الألم، لكنني لم أعد أعرف كيف يظهر الألم. ربما لا يختفي، وإنما يتغير شكله. في المرة الأولى يبكي الإنسان، وفي المرة المئة يصمت، وفي المرة الألف يفتح شاشة الكمبيوتر ويكتب، ثم يحذف، ثم يقول: ماذا يمكن أن أضيف؟ يتحدث علماء النفس عن الصدمة التراكمية والتبلد العاطفي والإصابة الأخلاقية لدى من يعيشون الحروب طويلًا، لكنني لا أحب أن أضع تجربتي داخل تشخيص جاهز. ما أعرفه أن الجريمة ليست أقل فظاعة، وإنما اللغة التي أملكها لم تعد تتسع لها. وهنا يطاردني سؤال: هل يريد منا الاحتلال أن نصل إلى هذه المرحلة؟ إلى المرحلة التي نخاطب فيها أنفسنا كلما ظهرت قصة جديدة: لقد كتبنا هذا من قبل. هذه القصة مكررة. هذه الجريمة تشبه ما سبقها. لا جديد هنا سوى الموت. لكن ما يجب أن نقوله هو: لم نكتب هذا الإنسان من قبل. لم نكتب اسم هذا الطفل، ولا وجه هذه الأم، ولا هذه العائلة، ولا هذه اللحظة. الموت قد يتكرر، لكن الموتى لا يتكررون. وهذا ما أخشاه أكثر من أي شيء آخر: أن تجعلنا كثرة الجرائم نرى الجريمة بدل أن نرى ضحيتها، وأن يتحول الإنسان إلى نموذج متكرر في ذهن الكاتب: «طفل تحت الأنقاض»، «عائلة قُتلت»، «نازح فقد منزله»، «جثة استُخرجت من تحت الركام». حين يحدث ذلك، لا يكون التبلد قد أصاب القلب وحده؛ تكون اللغة نفسها قد بدأت تفقد أسماء الناس. ربما لهذا علينا أن نقاوم الجملة التي تبدو بريئة: «هذه قصة مكررة». لا، لا توجد قصة مكررة حين يكون فيها إنسان جديد. قد تتشابه الجريمة، لكن حياة صاحبها ليست متشابهة مع حياة أحد. قد يتكرر البيت المهدّم، لكن البيت ليس البيت نفسه. وقد يتكرر خبر الطفل الشهيد، لكن الطفل ليس تكرارًا لطفل آخر. وهنا تصبح الكتابة فعل مقاومة من نوع آخر؛ مقاومة تحويل الموت إلى عادة. ربما يريد القاتل أن يصبح الموت رقمًا، وأخطر ما يمكن أن نفعله نحن هو أن نساعد، من حيث لا ندري، في تحويل الإنسان إلى رقم. ولأن الصحفي لا يكتب في الفراغ، فإن السؤال لا يتوقف عند القصة نفسها. نحن نكتب لأننا نعتقد أن الحقيقة يمكن أن تفعل شيئًا؛ أن الشهادة قد تحرك ضميرًا، وأن القصة قد تنقذ إنسانًا. لكن ماذا يحدث حين تكتب القصة، ثم تكتب أخرى، ثم مئة، ثم ألفًا، ولا ترى في العالم استجابة تتناسب مع حجم ما رأيت؟ هنا لا يعود السؤال مهنيًا فقط؛ يصبح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا فعلت الكتابة؟ أحيانًا أفتح ملفًا جديدًا وأحدق في الصفحة البيضاء. لم تعد الصفحة تخيفني كما كانت. كانت في السابق وعدًا بقصة؛ الآن أصبحت أشبه بمقبرة. أكتب جملة، ثم أتذكر أنني كتبت معناها مئة مرة. أبحث عن استعارة جديدة فأشعر بالخجل منها. كيف يمكن أن تكون اللغة جميلة أمام جثة؟ وكيف يمكن أن أكتب جملة بليغة عن أم فقدت أبناءها؟ ثم أفهم شيئًا: ربما لا تكون مهمة الكتابة أن تجعل المأساة جميلة، وإنما أن تمنعها من أن تصبح عادية. ربما لا يوجد شيء اسمه «الاعتياد على الإبادة». ربما هناك جسد يتعب، وعين تتعب، وذاكرة تتعب، ولغة تتعب، وقلب يتعلم، كي يستطيع الاستمرار، أن يخفض صوت الألم قليلًا. لكن خفض الصوت ليس اختفاءه، والصمت ليس نسيانًا.
بعد ثلاث سنوات، لم يعد أصعب ما في الكتابة أن نجد قصة. القصة موجودة في كل مكان. الأصعب أن نجد عينًا تستطيع النظر إليها مرة أخرى، وقلبًا يستطيع استقبالها، ولغة لا تخونها، وقارئًا لم يُغلق قلبه بعد. لذلك لم أعد أبحث عن القصة الأكثر بشاعة، ولا عن الجريمة التي ستفاجئ العالم. ربما أبحث الآن عن شيء أبسط وأصعب: أن أظل أرى الإنسان داخل الرقم، وأن أظل أشعر بأن الجثة كانت إنسانًا، وأن أظل أصدق أن الطفل الذي أكتب عنه ليس «مادة صحفية». أكتب لأنني أخاف من اليوم الذي لن أجد فيه ما أكتبه، ليس لأن القصص انتهت، بل لأنني أنا انتهيت من القدرة على رؤيتها. وحينها، ربما، تكون الإبادة قد ربحت شيئًا آخر: ربحت اللغة، وربحت الذاكرة، وربحت قدرتنا على الدهشة. لذلك سأكتب. حتى لو لم تعد لديّ كلمة جديدة. سأعيد «الطفل»، وأعيد «الأم»، وأعيد «البيت»، وأعيد «الأنقاض»، وأعيد «الجثة».
لأن الإنسان الذي استشهد لم يكن رقمًا جديدًا. كان إنسانًا. وكان هنا.
التعليقات (0)