يُحكى أن السلطان سليمان القانوني، الذي اشتهر بالبناء، طلب من وزيره ومستشاره أن يُحضرا له مهندسًا مميزًا، فجاءه آغا سنان. أخبر السلطان المهندس أنه يريد هدم السرايا وإعادة هندستها حتى تعمر طويلًا ولا ينال منها الزمان، واتفقا على مراحل الهدم والبناء. في اليوم التالي أحضر آغا سنان عمالًا ليقوموا بالهدم، فلما انتهوا صرفهم، ثم أحضر عمالًا جددًا ليتولوا البناء. وحين سأله السلطان عن سبب استبدال العمال، أجابه بأن جده الختيار كان يقول له: «اليد التي تهدم لا تؤتمن على البنيان، ومن يولع الحرائق لا يطفئها، ومن هو على الحافة لا يُؤمَن استقراره». وقد تبدو الحكاية قديمة، لكنها تصلح اليوم وصفةً لجمهورية من جمهوريات الواق واق الثلاث والعشرين، وتحديدًا لتلك التي أُريد لها أن تكون جمهورية ترامبية في بلاد الواق واق؛ جمهورية يُقال إنها ستدخل عهدًا جديدًا وتبني كيانًا جديدًا، فيما يبقى السؤال القديم نفسه: من سيبني؟
فالدولة لا تُبنى بالحجر وحده، ولا بالخرائط، ولا باللافتة التي تُعلَّق على باب المؤسسة؛ الدولة تُبنى باليد التي تضع الحجر، وبالعقل الذي يعرف أين يضعه، وبالمعيار الذي يختار أصحاب المسؤولية. فإذا كانت اليد قد اعتادت الهدم، فليس من المنطق أن نطلب منها أن تمسك أدوات البناء، وإذا كان المعيار الذي أوصل إلى الخلل هو نفسه الذي سيختار رجال المرحلة الجديدة، فلن يكون الجديد أكثر من اسم جديد لخلل قديم.
وفي تلك الجمهورية، انعكس الهرم واختلت المعايير؛ فصار أصحاب الكفاءات العلمية باعةً متجولين في الشوارع، بينما اعتلى بعض الأميين والجهلة رئاسة جامعات وأكاديميات ومراكز بحث. وهناك يتحول شهود الزور إلى قضاة، ويتولى بعض اللصوص الخزائن، ويُرقَّى العملاء بينما يُسجن العلماء. وفي المشهد ذاته، يتقدم أصحاب السوابق من قتلة ومجرمين وقطاع طرق ومنافقين وماسحي أحذية السلاطين، خصوصًا من يرفعون الأفراد فوق الدولة ويمنحونهم حقًا مطلقًا في الحكم. وبالمقابل، يُستبعد الأحرار والشرفاء، ويُهان العزيز ويُذل الكريم، ويُعاقب المجتهد والمخلص بينما يُرقَّى الغائب عن وظيفته، وكأن الدولة قررت أن تعاقب من يخدمها وتكافئ من يفرغها من معناها.
في الجمهورية الترامبية، لم تعد الشهادة العلمية هي الشهادة الأعلى قيمة؛ فهناك شهادات بديلة أكثر نفوذًا: الواسطة، والسلالة، والولاء، والمناطقية، والحزبية. وبها يولد ابن السيد لواء، وابن اللواء عميدًا، وابن السفير ملحقًا، وابن الوزير وكيلًا، وابن الوكيل مديرًا، وكأن الدولة تحولت إلى شجرة عائلة تتوارث أغصانها المناصب. وحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية إلى مكافأة، ومن خدمة للمواطن إلى امتياز لمن يملك مفتاح الدخول إلى دائرة السلطة؛ وعندها لا يعود الفساد خطأً يرتكبه بعض الأفراد، بل يصبح طريقة عمل.
وبناءً على كل تلك الممارسات، أصبح الفقر سيد المشهد والجوع صاحب السلطة؛ حيث تُسرق الرواتب، وتُنهب المساعدات، وتجد الأدوية والوقود طريقها إلى السوق السوداء، بينما يموت بعض الأغنياء من التخمة، أما المواطن فله طوابير البنزين والسولار والغاز والكاز. هناك تصبح مواد مثل الماء والدواء والكهرباء والغذاء والسلام والأمان والحرية صعبة المنال، وأقرب إلى المعجزة من الحصول عليها، فيما تحرص الجمهورية على أن تبدو دولة لها مؤسسات ومناصب وأختام ومراسيم وخطب وممثلون في المحافل الدولية. وحتى عندما وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، انسحب غالبية مندوبي دول الواق واق من القاعة، ولم يبقَ منهم سوى عدد محدود.
لكن المفارقة الكبرى أن الجمهورية الترامبية، رغم حداثة تكوينها، مهددة بالانهيار قبل أن تكتمل أركانها؛ فحداثة الدولة لا تعني سلامة أساسها، والجديد في الاسم لا يعني جديدًا في البنية. وإذا أُقيم الكيان الجديد بالمعايير نفسها التي صنعت الخلل القديم، فإنه قد يبدأ شيخوخته السياسية في يومه الأول. والخطر الحقيقي ليس في الخلل الذي ورثته الجمهورية، بل في أن تعيد إنتاجه داخل كيان جديد، فتتغير الخريطة واللافتة والمناصب، بينما تبقى الأيدي نفسها والعقلية نفسها وقواعد الاختيار نفسها.
التعليقات (0)