f 𝕏 W
الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية

راية اف ام

سياسة منذ 7 سا 0 1 د قراءة
زيارة المصدر ←

الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية

لم يكن السياق الذي نشأت فيه الدولة العربية الحديثة، ولا المسار الذي اتخذته بعد ذلك، شبيها بذلك الذي جرى مع الدولة القومية الأوروبية، خاصة عند المقارنة مع المثالين الأوضح لنشأة تلك الدولة في ألمانيا وإيطاليا. فالدولة الألمانية الحديثة، تشكلت في صورتها القومية الموحدة نتيجة تفاعل طويل بين الأمة، التي كانت تتشكل عناصرها من لغة وتاريخ وذاكرة وتفاعل اقتصادي وشعور متزايد بالانتماء للشعب الألماني، وبين قوى شعبية واقتصادية ونخب سياسية ودولتية داخل الدويلات الألمانية التي سبقت الدولة الموحدة، ووعي قومي م

لم يكن السياق الذي نشأت فيه الدولة العربية الحديثة، ولا المسار الذي اتخذته بعد ذلك، شبيها بذلك الذي جرى مع الدولة القومية الأوروبية، خاصة عند المقارنة مع المثالين الأوضح لنشأة تلك الدولة في ألمانيا وإيطاليا. فالدولة الألمانية الحديثة، تشكلت في صورتها القومية الموحدة نتيجة تفاعل طويل بين الأمة، التي كانت تتشكل عناصرها من لغة وتاريخ وذاكرة وتفاعل اقتصادي وشعور متزايد بالانتماء للشعب الألماني، وبين قوى شعبية واقتصادية ونخب سياسية و"دولتية" داخل الدويلات الألمانية التي سبقت الدولة الموحدة، ووعي قومي متزايد بضرورة الوحدة.

كانت الأمة الألمانية موجودة بملامحها الأساسية قبل وجود الدولة الألمانية الموحدة، ثم تشكل الوعي القومي الذي صاحبه تكامل اقتصادي وحراك سياسي، ثم بادرت "الدويلة" الأقوى (بروسيا) لقيادة عملية التوحيد. كان كل ذلك الفعل ألمانياً ذاتيا فلم يكن أي دور لقوى خارجية أو استعمارية، إذا ما استثنينا غزو نابليون الذي ساهمت مقاومته في ايقاظ الشعور القومي الألماني. كذلك أيضا كانت التجربة الإيطالية؛ فإيطاليا كما هي ألمانيا لم تكن دولة قومية موحدة، بل كانت هناك هوية قومية (أمة) أوسع من الدول القائمة، ثم جرت عملية توحيد للأقاليم التي تشكلت منها تلك الأمة في دولة واحدة. في حالات أوروبية مبكرة، مثل فرنسا وإنجلترا وإسبانيا، سبق وجود الممالك والأقاليم اكتمال مفهوم القومية، وكانت دولة "مركزية" تقوم بمهمة توحيد الإقليم، وتنشيء دولة موحدة وهوية سياسية مشتركة و"أمة" حديثة.

في كل الحالات الأوروبية كانت الدولة أداةً لتجميع السكان داخل جماعة سياسية واحدة، وتشكلت علاقة "سليمة" بين الدولة والأمة، فالدولة تعبر عن الأمة وتصيغها سياسيا ، والأمة تمنح الدولة شرعيتها ومعناها وفضاءها الثقافي والسياسي. لم يكن الحديث عن النماذج الأوروبية في إنشاء الدولة الحديثة لاعتمادها معيارا وحيدا لتكوّن الدولة، بل لإظهار مدى أهمية الانسجام في العلاقة بين الدولة والأمة، كضرورة لإيجاد وضع "طبيعي" لكليهما، وتجسيد مشروعهما المشترك، وتحديد مسارهما اللاحق ودورهما المطلوب. في ضوء ذلك، ماذا عن الدولة العربية (القُطرية) الحديثة، خاصة تلك التي نشأت أو تحددت معالمها الأساسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما بعدها؟. في أي سياق تكونت تلك الدولة؟. وما هو مقدار الذاتي و"الخارجي" في تكوينها؟. لاعتبارات بحثية، من المفيد استحضار اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظة التحرير الفلسطينية، التي يمكن اعتبارها "هدية" التاريخ لجيل من الباحثين الذين عاصروها، إذ أتاحت لهم فرصة نادرة لمشاهدة "دولة" عربية حديثة، لا من خلال كتب التاريخ، بل وهم يشهدون عملية إنشائها وهي تجري أمامهم، فأظهرت لهم أطراف تلك النشأة وملابساتها وسياقاتها وآليات عمل "الدولة" لاحقا. أوسلو شديدة الأهمية لفهم طبيعة الدولة العربية وعلاقتها ب"الخارج" المحتل وبالنظام والمجتمع. لقد أعفت الباحثين _ على الأقل إلى أن يصبح الحاضر تاريخا _ من ضرورة الإيغال كثيرا في النظرية وفي التحليل، والبحث في الكتب وفي "الوثائق" لفهم تشكل تلك الدولة، بعد أن عاشوا التجربة بأنفسهم.

لم تكن أوسلو استثناء فلسطينيا، بل أوضح وأقرب نموذج لآلية قديمة ظهر فيها ومنها، بصورة جلية وواضحة ومكثفة، المنطق الذي حكم نشأة عدد كبير من الدول العربية، والذي يتلخص في "مستعمر" يعقد اتفاقا مع نخبة محلية بحيث يمنحها الاعتراف والحماية والرعاية والموارد لتصبح نظاما أو "سلطة"، مقابل قيام ذلك النظام بوظائف محددة، وانتهاجه السياسة المطلوبة. أما الشعب الذي "يُفترض" أنه صاحب الحق وصاحب القضية، فلم يكن طرفا في ذلك العقد المؤسس لا من قريب ولا من بعيد. ما يهم الباحث في شؤون الدولة العربية الحديثة، ليس أوسلو كحدث منظمة التحرير الفلسطينية طرفا فيه، بل كنموذج أو كصيغة تأسيسية لدولة أو كيان؛ في طريقة النشأة والأطراف المشاركة والظروف المحيطة والشروط المطلوبة، وكذلك تطور الأحداث والأدوار والسياسات واللغة والمعنى. هذا حدث مع كثير من الدول العربية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث كان لكل دولة من تلك الدول "أوسلو" خاصة بها. على عكس الدولة الأوروبية القومية، التي تبلورت في سياق صعود المشروع القومي الذي سعى إلى تجسيد الأمة في دولة موحدة، نشأت الدولة العربية القطرية في سياق هزيمة المشروعين الأشمل للأمة؛ المشروع العثماني الذي اتخذ طابعا إسلاميا، حيث تفككت الإمبراطورية العثمانية وحل مكانها الاستعمار الأوروبي، والمشروع "القومي" العربي الذي تمثل في محاولة الشريف حسين إقامة دولة عربية كبيرة في المشرق العربي. نشأت الدولة العربية القطرية بعكس الدولة الأوروبية القومية في ظل تفكك الأمة وتشظيها وتراجع مشروعها، وبدور حاسم للخارج (المستعمِر) في ملء الفراغ الناتج وصياغة البديل حسب مصالحه وإرادته، وبروز نظام تولى إدارة الدولة وهيمن عليها وجيرها حسب مصالحه وحسب الوظيفة التي قام على أساسها، وكذلك كان هناك تغييب تام للمجتمع والأمة الذين بقيا خارج لحظة التأسيس. "أوسلو" الدولة العربية شكلت المشهد؛ "خارج" (مستعمر) صاغ الملامح العامة للدولة (حدودها وسكانها وسياساتها وعلاقاتها)، وحدد نظامها و"رسّمه" صاحبا لها ومنحه الشرعية والرعاية والحماية والضمان والدعم، وقرر "دوره" الوظيفي. وشعب أو مجتمع خارج دائرة الفعل، مطلوب منه التكيف مع الدولة التي تقرر وجودها من دونه، لكنه ضروري كجزء من الديكور الذي يعطي المشهد شيئا من "المصداقية". وأمة خارج المشهد كله، تُترك للإضمحلال الذاتي بفعل تآكل مقومات الوجود، أو تتكفل الدولة (القطرية) بتفكيك عناصرها. لنُحِل المشهد إلى اللغة لمزيد من الايضاح، فبإنشاء الدولة اكتملت "الجملة": الاستعمار فاعلا، والنظام نائبا عنه، والشعب مفعولا به والأمة خارج الإعراب. لم يكن ذلك ترتيبا عابرا بل تشكل منذ البداية، ومعه تشكلت الدولة نفسها. في ضوء ذلك البناء، تبلور المألوف الفكري الذي يبرره ويعيد إنتاجه، وأصبحت أي محاولة للتدخل في بناء الجملة، أو تغيير مواقع عناصرها المقرّرة سلفا، تبدو كأنها هدم للبناء برمته، وخروج على قواعد "اللغة"، وكفر ب"المسلمات". المشكلة أنه أريد لهذه النشأة الإشكالية للدولة العربية الحديثة أن تبدو طبيعية، وأن يبدو منطق إنشائها هو المنطق البديهي رغم أنه منطق مقلوب على رأسه بالكامل، فالعقد المؤسس لم يكن بين مجتمع ودولة أو بين شعب وسلطة، بل بين سلطة ناشئة وقوة خارجية مستعمرة حول إدارة الشعب أو ما أصبح "نصيب" أو "حصة" الدولة من الشعب، إضافة إلى "المهام" الإقليمية والدولية الأخرى التي على الدولة القيام بها.

مشكلة الدولة العربية القطرية الحديثة، أو معضلتها، متصلة اذاً بلحظة التكوين؛ تلك اللحظة التي صيغت فيها الملامح الأساسية للدولة، وتحددت مواقع عناصرها، حيث دخلت فيها أطراف لم تكن لتكون طرفا في عقد اجتماعي لتأسيس دولة، وفي مقدمتها المستعمِر الخارجي الذي لعب الدور الحاسم في تقرير مسار نشأة الدولة الوليدة، في مقابل استبعاد أطراف مثّل غيابها أحد أهم مصادر اللامعقولية في هذا التكوين، وهي المجتمع أو الشعب. وإذا أضفنا إلى ذلك العقد التأسيسي الغريب، السياق الاستراتيجي العام الذي ساد العالم والمنطقة آنذاك، وأخذنا في الاعتبار المصالح التي أراد كل طرف من أطراف التأسيس تحقيقها، والمصالح التي تشكلت له لاحقا، حتى على حساب مصالح، وأحيانا وجود الأطراف التي جرى تغييبها، أمكننا أن نفهم جوهر هذه الدولة "الغريبة" وتفردها عن بقية أنماط الدول المعروفة، لا في ملابسات نشأتها فحسب، وإنما أيضا في ما ترتب على تلك النشأة من علاقات وسياسات ومواقف. هذه الدولة العربية الناشئة، رغم ما تحمله من صفات مشتركة مع الدول المعروفة، لا تتطابق تماما مع أي من أنماطها، فهي تحمل سمات متعددة منها، لكنها تشكل في مجموعها تركيبا مختلفا؛ فعند مقارنتها بتلك الدول، نجدها ليست دولة "ضعيفة" رغم أنها قد تتسم بالضعف، وهي ليست دولة "هشة" رغم هشاشتها في بعض الأحيان، ولا دولة "فاشلة" رغم فشلها في أداء كثير من الوظائف التي يفترض أن تقوم بها، ولا دولة "رخوة" رغم كونها كذلك أحيانا، ولا دولة "تابعة" رغم كونها كذلك، ولا "ريعية" فقط، أو "وظيفية" فقط. إنها دولة لا تنطبق عليها في صورتها الكاملة أي من هذه التصنيفات.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك، طبيعة علاقتها مع الأمة، ومع الشعب، ومع الخارج ومع النظام، ومع السيادة والقوة والضعف، ومع الأعداء والأصدقاء، نكون أمام نمط مختلف من الدولة، الدولة "المعاقة"، والأهم من ذلك، أن هذه الإعاقة التي بدأت بنيوية مع ظروف التكوين التي جعلت مصلحة النظام في ضعف الدولة، انتقلت لتكون إعاقة وظيفية، عندما انتقلت إعاقة الدولة من حالة قد تكون مؤقتة لتكون وظيفة سياسية للنظام نفسه. لم تكن مشكلة العقد التأسيسي للدولة العربية (أوسلو الدولة العربية) في مضمون ما اتُّفق عليه فقط رغم أهميته، بل في البنية نفسها؛ فالذين اتفقوا استثنوا الشعب الذي هو موضوع الاتفاق، والذي سيعيش نتائجه. في تلك "العملية" تم تنصيب "النظام" ممثلا "حصريا" للدولة وصاحبا لها، والشعب بات موضوعا للترويض لا أكثر. تبلورت الدولة كعلاقة بين الدولة والخارج، وبقيت مدينة له أساسا، ولهما بذلك. فهي لم تأت من علاقة تطورية بين أمة ودولة، بل داخل ثلاثية متوترة؛ أمة أوسع، ودولة قطرية، واستعمار لعب الدور الحاسم في النشأة. هذا ألقى بظلاله على سؤال شرعية الدولة ومصادر تلك الشرعية، وأثار موضوع تعريف الأمة والهوية، وعوَّم تعريف المصلحة الوطنية، فلم تصبح الأمة أو المجتمع مصدرا فعليا لتعريف تلك المصلحة كما يُفترض بل باتت تُعرف من موقع النظام. كما أن الدولة العربية "المعاقة" نشأت في ظل أزمة الأمة وفي إطار تفكيكها السياسي وعلى أنقاضها، فشكلت حاجزا بين الأمة وبين تحويل وجودها الثقافي والقومي إلى فعل سياسي. وبدل أن تقوم الدولة بلملمة الأمة المجزأة كما في أوروبا، تشظت الأمة الواحدة إلى دول عربية عديدة، وأخذت كل واحدة منها بمطالبة الأمة بالانتماء إليها بينما هي نفسها جزءا من الأمة. وانتقلت الأمة من أصل تاريخي وسياسي وهوياتي إلى موضوع للدولة، وليس مصدرا لها أو مرجعية.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)