ليست الأفكار الكبرى عصية على التشويه، بل لعل أخطر ما يتهدد الفكرة العظيمة أن تنجح في الانتصار على خصومها ثم تفشل في مقاومة أتباعها، عندها لا يعود الخطر من خارجها، بل يأتي من داخلها؛ من أولئك الذين يحولونها من أداة لفهم العالم إلى منظومة مغلقة تفسر كل شيء قبل أن تنظر في شيء، ومن منهج نقدي إلى عقيدة، ومن سؤال مفتوح إلى أجوبة جاهزة، وهذا ما حدثنا به دائماً رفيقنا الراحل المعلم د. سمير غوشة.
ولعل العبارة الشهيرة المنسوبة إلى كارل ماركس: «أبلغوا هؤلاء أنني لست ماركسياً»، تكتسب أهميتها من هذا المعنى تحديداً، فهي، في سياقها، لم تكن إعلاناً للقطيعة مع المشروع الذي حمل اسمه، بقدر ما كانت رفضاً لتحويل الماركسية إلى صيغة دوغمائية جامدة، وإلى هوية فكرية يدافع أصحابها عن حدودها أكثر مما يدافعون عن قدرتها على فهم الواقع وتغييره.
المفارقة أن ماركس، الذي جعل النقد في صميم منهجه، والذي لم يتعامل مع المجتمع بوصفه بنية ثابتة، بل باعتباره حركة وصراعاً وتناقضاً وتحولاً، أصبح في بعض التجارب اللاحقة موضوعاً لنوع من التقديس يتناقض مع روحه الفكرية، فصار النص بديلاً عن الواقع، والاقتباس بديلاً عن التحليل، والولاء للمقولات بديلاً عن اكتشاف الجديد، ومن هنا ينبغي أن نكون أكثر جرأة في طرح السؤال: هل كل ما حمل اسم الماركسية كان ماركسياً بالضرورة؟
في تقديري، لا، فالماركسية ليست مجموعة من العقائد الجاهزة التي يكفي حفظها لكي يصبح المرء ماركسياً، وليست قاموساً من المصطلحات يمكن استدعاؤه في كل مناسبة لإثبات الراديكالية، إنها، قبل كل شيء، تقليد نقدي يسعى إلى فهم المجتمع بوصفه كلاً تاريخياً متحركاً، وإلى تحليل علاقات الإنتاج والملكية والسلطة والطبقات والوعي بوصفها علاقات متداخلة ومتغيرة، وإلى فهم الإنسان باعتباره فاعلاً في التاريخ، لا مجرد مادة خام لقوانين اقتصادية عمياء.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المادية التاريخية والاقتصادوية، فالمادية التاريخية لا تعني أن الاقتصاد يفسر كل شيء، وإنما تنطلق من أن البشر ينتجون حياتهم المادية داخل شروط تاريخية واجتماعية محددة، وأن طريقة إنتاج هذه الحياة ترتبط بصورة عميقة ببقية علاقات المجتمع، أما الاقتصادوية فتختزل المجتمع في الاقتصاد، والسياسة في انعكاس له، والوعي في صورة آلية للموقع الطبقي، والتاريخ في مسار شبه حتمي يقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى نتيجة سبق أن عرفت، وهذا ليس ماركسياً بقدر ما هو تبسيط ميكانيكي لماركس، فالاقتصاد مهم، لكنه لا يتحرك في فراغ سياسي وثقافي وقانوني، والطبقات لا تتشكل فقط من مواقع الأفراد في عملية الإنتاج، بل أيضاً عبر التجربة والوعي والتنظيم والصراع والثقافة والذاكرة، والدولة ليست بالضرورة دمية اقتصادية تحركها يد واحدة بصورة مباشرة، كما أن الثقافة ليست زينة فوق البنية الاقتصادية، والوعي ليس مرآة صامتة تعكس الواقع.
العلاقات بين هذه المستويات أكثر تعقيداً، فالفكرة يمكن أن تصبح قوة مادية حين تتحول إلى وعي جماعي، والتنظيم يمكن أن يغير ميزان القوى، والنضال النقابي يمكن أن ينتج وعياً سياسياً، والحركة الاجتماعية يمكن أن تفرض تحولات لم تكن حتمية اقتصادياً، والقانون يمكن أن يكون أداة للهيمنة، لكنه قد يصبح أيضاً ميداناً للصراع، حتى الدولة نفسها قد تكون ساحة تتصارع داخلها قوى ومصالح وتناقضات متعددة، لا مجرد انعكاس مباشر لمصلحة طبقة واحدة، لهذا لا يصنع التاريخ الاقتصاد وحده، كما لا تصنعه الإرادة وحدها، إنه نتاج علاقة متوترة بين الضرورة والإمكان، وبين البنية والفعل، وبين الشروط الموضوعية والقدرة الإنسانية على التدخل فيها.
التعليقات (0)