f 𝕏 W
كنان أبو جبة.. هكذا يصبح القلم يدًا أخرى

الرسالة

فنون منذ 5 سا 1 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

كنان أبو جبة.. هكذا يصبح القلم يدًا أخرى

يضع كنان أبو جبة قلمه على الورقة، ويبدأ الكتابة. يد صغيرة تتحرك فوق السطر، تتوقف قليلًا، ثم تعود لتكمل الكلمة. لا شيء في المشهد، للوهلة الأولى، يوحي بأن الطفل الذي يحاول أن يملأ دفتره بالكتابة فقد يد

يضع كنان أبو جبة قلمه على الورقة، ويبدأ الكتابة. يد صغيرة تتحرك فوق السطر، تتوقف قليلًا، ثم تعود لتكمل الكلمة. لا شيء في المشهد، للوهلة الأولى، يوحي بأن الطفل الذي يحاول أن يملأ دفتره بالكتابة فقد يده اليسرى، وأن اليد التي بقيت له تحمل وحدها مهمة الإمساك بالقلم، والدفتر، وما تبقى من أحلام الطفولة. داخل خيمته في مدينة غزة، يجلس كنان محاولًا العودة إلى دروسه، فيما يستقر طرف صناعي في موضع يده التي فقدها. بالنسبة إلى طفل في مثل سنه، يفترض أن تكون بداية العام الدراسي حقيبة جديدة ودفاتر وأصدقاء ومقاعد مدرسية. لكن كنان يدخل عامه الدراسي محمّلًا بما لا ينبغي لطفل أن يحمله: فقدان أسرته، وفقدان جزء من جسده، والنزوح إلى خيمة بدل البيت. كنان من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وهو الناجي الوحيد من أسرته بعد غارة إسرائيلية استهدفت منزل العائلة. أصيب في الغارة، وفقد يده اليسرى، بينما فقد أفراد أسرته الذين كانوا معه. لم يخرج كنان من الغارة كما دخلها. خرج حيًا، لكن حياته القديمة لم تخرج معه. لم يعد هناك بيت يعود إليه، ولا عائلة تنتظره، ولا تفاصيل يومية صغيرة كان يمكن لطفل أن يعتبرها عادية. بقيت الجدة إلى جواره، وصارت الخيمة مكانًا للحياة، فيما يحاول هو أن يتعلم كيف يعيش بجسد تغيّر، وذاكرة تحمل فقدًا أكبر من عمره. ومع ذلك، يعود كنان إلى دفتره. يمسك القلم بيده اليمنى ويحاول الكتابة. يتعلم من جديد حركة كانت يومًا عادية، لكنها أصبحت بعد الإصابة تحتاج إلى جهد وصبر. يكتب ببطء، لما يؤثرهزفقدانزيد على اليد الأخرى؛ ولكن ربما لا تكون الكلمات التي يخطها على الورق مهمة بقدر أهمية أنه ما زال قادرًا على الكتابة. في صور التقطت له داخل خيمته، يبدو المشهد بسيطًا: طفل أمام دفتر. لكن الصورة تحمل في داخلها ما هو أكبر من دفتر ومدرسة. تحمل يدًا فقدها صاحبها، وأسرة غابت، وبيتًا لم يعد قائمًا، وطفولة تحاول أن تستعيد مكانها وسط حرب تركت آثارها على أجساد الأطفال وذاكرتهم. كنان لا يستطيع استعادة يده. ولا يستطيع استعادة أسرته. ولا يستطيع العودة إلى البيت الذي خرج منه. لكنه يستطيع أن يمسك القلم. ولهذا يكتب. ربما لأن الكتابة، بالنسبة إليه، ليست درسًا مدرسيًا فحسب، بل محاولة صغيرة لاستعادة شيء من الحياة التي سُلبت منه. كل سطر يكتبه بيده الوحيدة يبدو كأنه يقول إن الطفل الذي نجا من الغارة لا يريد أن يكون مجرد رقم آخر بين ضحايا الحرب. يريد أن يتعلم. أن يعود إلى المدرسة. أن يكون له مستقبل. وفي خيمة النزوح، بين دفتر وطرف صناعي، يحاول كنان أن يفعل ما يفعله الأطفال في كل مكان: أن يكتبوا أحلامهم قبل أن يكبروا.

كنان ليس وحده في هذه الحكاية. خلف يده المبتورة آلاف الأجساد الصغيرة التي خرجت من الحرب بأطراف مفقودة أو إصابات سترافقها طوال العمر. وتقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف سُجلت في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإن الأطفال يمثلون نحو 18% من حالات البتر، فيما تقدر أن نحو 10 آلاف طفل من بين المصابين تعرضوا لإصابات غيّرت حياتهم.

أما اليونيسف فتقدر عدد الأطفال الذين أصيبوا في غزة منذ بدء الحرب بنحو 45 ألف طفل حتى 30 يونيو/حزيران 2026، بينهم أكثر من 11 ألفًا بإصابات غيّرت حياتهم.

لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع أن تقول كيف يتعلم طفلٌ أن يمسك القلم من جديد بعد أن يفقد يده، أو كيف يجلس أمام دفتره في خيمة بعدما فقد البيت والعائلة. لذلك، حين ينحني كنان فوق ورقته ويبدأ الكتابة بيده الوحيدة، لا يبدو كأنه يكتب واجبًا مدرسيًا فحسب؛ يبدو كأنه يحاول أن يكتب لنفسه طريقًا إلى المستقبل.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من الرسالة
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)