f 𝕏 W
الحجر ليس السبب.. الكأس كان ممتلئاً

جريدة القدس

سياسة منذ 4 أيام 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

الحجر ليس السبب.. الكأس كان ممتلئاً

الأحد 27 سبتمبر 2026 8:30 صباحًا - بتوقيت القدس

لا يزال قطاع غزة في قلب التحولات الفلسطينية والإقليمية، فحين يكون الكأس ممتلئاً إلى حافته، لا يحتاج الأمر إلى حجرٍ كبير كي يفيض، يكفي أن يسقط فيه حجرٌ آخر صغير، فتخرج المياه من حدوده. في السياسة أيضاً، لا تبدأ الانفجارات دائماً من اللحظة التي نراها، وإنما من تراكم طويل يجعل اللحظة الأخيرة تبدو أكبر من أسبابها المباشرة.ومن هنا، فإن قراءة ما جرى ويجري في قطاع غزة لا تستقيم إذا اختُزلت في حدث واحد أو قرار واحد أو طرف واحد؛ فالحجر قد يكون لحظة الانفجار، لكنه ليس بالضرورة سبب امتلاء الكأس. قطاع غزة يحمل في بنيته السياسية والإنسانية آثار عقود من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فالاحتلال، والحصار، والحروب المتكررة، والنزوح، والاستيطان، وتعثر التسوية السياسية، والانقسام الفلسطيني، كلها في الحقيقة لم تكن أحداثاً منفصلة، بل طبقات متراكمة صنعت واقعاً أصبح فيه هامش الاحتمال أضيق من أي وقت مضى. ولذلك فإن قطاع غزة لا يمكن فهمه فقط من خلال ما يحدث داخل حدودها، بل من خلال التاريخ السياسي الذي دفعها تدريجياً إلى موقع بالغ الحساسية في القضية الفلسطينية.ولذلك أصبح قطاع غزة، بفعل موقعه الجغرافي والسياسي، أكثر من مجرد جزء من الجغرافيا الفلسطينية التاريخية، فقد تحول إلى عقدة تتقاطع عندها مصالح وقوى إقليمية ودولية متعددة. فقطاع عزة يقع على تماس مباشر مع مصر، ويتصل سياسياً وأمنياً بمسارات المشرق العربي، بينما ترتبط تداعياتها بالأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران وتركيا، فضلاً عن علاقتها المباشرة بحسابات الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ولهذا فإن التحول الكبير في قطاع غزة لا يبقى داخله، بل يمتد صداه إلى الإقليم بأكمله. ومنذ اندلاع الحرب، أخذ المشهد الإقليمي يتغير بصورة متسارعة. فقد أصبحت القضية الفلسطينية مرة أخرى عنصراً مؤثراً في إعادة ترتيب أولويات المنطقة، بعدما كانت بعض المسارات السياسية تسير باتجاه بناء ترتيبات إقليمية جديدة تتجاوز مركزية القضية الفلسطينية. وجاءت لتعيد فلسطين إلى قلب المشهد، وتفرض على العواصم العربية والإقليمية والدولية إعادة حساباتها، ليس فقط تجاه الحرب، وإنما تجاه مستقبل النظام الإقليمي نفسه. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث في قطاع غزة عن التحولات في البحر الأحمر، ولا عن المواجهات والاحتكاكات التي امتدت إلى ساحات أخرى في الإقليم. فقد أصبح الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مرتبطاً، بصورة أوضح من السابق، بشبكة من التفاعلات تشمل اليمن ولبنان والعراق وسوريا، في حين باتت الولايات المتحدة حاضرة عسكرياً وسياسياً بصورة مباشرة في إدارة تداعيات المشهد. لكن الأخطر ربما لا يكمن في اتساع رقعة التوتر وحده، وإنما في احتمال تحول هذا التوتر إلى نمط دائم من إدارة الأزمات بدل معالجة أسبابها. فالمنطقة لا تعاني فقط من غياب الاستقرار، وإنما من تراكم أزمات غير محسومة: القضية الفلسطينية، ومستقبل الأراضي المحتلة، واللاجئون، والقدس، والحدود، والأمن الإقليمي، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. وكل أزمة جديدة لا تلغي ما قبلها، بل تضيف طبقة أخرى إلى الكأس. ومن هنا يبدو قطاع غزة اختباراً حقيقياً لفكرة الأمن القومي الإقليمي نفسه. فإذا كانت المقاربة الأمنية تستطيع إدارة لحظة الانفجار، فإنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور الصراع. انطلاقاً من أن القوة قد تتمكن من إيقاف جولة من القتال، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إنتاج تسوية سياسية عادلة تتماشى مع طموحات الشعب العربي الفلسطيني.كما قد يستطيع المجتمع الدولي إدارة المساعدات الإنسانية أو التفاوض على استمرار "وقف إطلاق النار" المعلن، بالرغم من استمرار الانتهاكات والأعمال العدائية الإسرائيلية التي تحد من فاعليته على أرض الواقع. وبكل الأحول سيظل عاجزاً عن إنتاج استقرار مستدام ما لم يُعالج السؤال التاريخي والقانوني والسياسي الذي يقف خلف كل هذه الأزمات. والسؤال الفلسطيني هنا يتجاوز قطاع غزة، فمستقبل القطاع لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن مستقبل القضية الفلسطينية، كما أن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تكون مشروعاً عمرانياً منفصلاً عن مشروع سياسي عادل وشامل. فإعادة بناء البيوت والمستشفيات والمدارس ضرورة إنسانية، لكنها لا تعيد وحدها بناء الأفق السياسي الذي انهار على مدى سنوات. وإذا بقيت غزة محاصرة داخل دائرة الحرب والإغاثة وإعادة الإعمار ثم الحرب من جديد، فإننا نكون قد عالجنا نتائج امتلاء الكأس، من دون أن نسأل عن مصدر الماء الذي يملؤه في كل مرة. في سياق متمم، فإن التطورات الإقليمية تفتح سؤالاً آخر حول موقع الدول العربية في المرحلة المقبلة. فالحرب أعادت اختبار مفهوم التضامن العربي، لكنها في الوقت نفسه كشفت حدود القدرة العربية على التأثير عندما تتعارض الحسابات الوطنية مع طبيعة الأزمة الإقليمية. وبين المواقف السياسية، والتحركات الدبلوماسية، والوساطات، والمساعدات الإنسانية، بقي السؤال الأكبر قائماً: هل يستطيع النظام العربي أن ينتقل من إدارة تداعيات القضية الفلسطينية إلى التأثير الفعلي في مسارها السياسي؟ أما دولياً، فقد كشف قطاع غزة عن فجوة متزايدة بين الخطاب المتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان وبين القدرة على تحويل هذه المبادئ إلى واقع سياسي. وأعادت الحرب إلى الواجهة أسئلة تتعلق بحماية المدنيين، والقانون الدولي الإنساني، والمسؤولية الدولية، وحدود استخدام القوة، ودور المؤسسات الدولية في النزاعات المسلحة.لكل ما سبق، فإن اختزال المشهد في "الحجر" قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه لا يكفي لفهم الواقع. فالحجر لا يفسر وحده الفيضان، كما أن الحدث المباشر لا يفسر وحده الانفجار التاريخي. هناك دائماً ماءٌ سبق الحجر، وتراكمٌ سبق اللحظة، وسياقٌ أطول من الحدث نفسه.قطاع غزة اليوم ليس فقط سؤالاً عن كيفية إنهاء الحرب المستمرة في حقيقة الامر، بل سؤال عن كيفية منع الكأس من الامتلاء مرة أخرى. فربما لم يكن الحجر هو الذي أسقط الماء من الكأس. ربما كان الحجر مجرد اللحظة الكاشفة التي كشفت أن الكأس كان ممتلئاً منذ زمن.

الحجر ليس السبب.. الكأس كان ممتلئاً

اللواء بلال النتشة : الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

الدكتور أسعد العويوي أكاديمي وباحث سياسي

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)