الأحد 27 سبتمبر 2026 8:32 صباحًا - بتوقيت القدس
لم تكن خطابات الرئيس محمود عباس، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين مجرد كلمات متعاقبة على منبر دولي، بل كانت مواجهة سياسية وأخلاقية وقانونية بين ثلاث روايات متناقضة حول مستقبل المنطقة، وحقوق الشعب الفلسطيني، ومستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.وقد كشفت هذه المواجهة، بوضوح، عن اتساع الفجوة بين الخطاب الفلسطيني والأردني الذي استند إلى القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة إنهاء الاحتلال، وبين الخطاب الإسرائيلي الذي انصرف بدرجة كبيرة إلى تبرير الحرب ومهاجمة الخصوم ورفض الانتقادات الدولية، في وقت كانت فيه قاعة الجمعية العامة نفسها تقدم صورة بالغة الدلالة عن حجم التوتر بين إسرائيل والمجتمع الدولي.لقد جاء خطاب الرئيس محمود عباس ليؤكد أن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما تعرض له من قتل ودمار وتهجير واستيطان، لا يزال متمسكاً بأرضه وحقوقه وبخيار السلام القائم على الشرعية الدولية. وأكد الرئيس أن الفلسطينيين لن يغادروا وطنهم، ولن يقبلوا التهجير، ولن يسمحوا لأحد بأن يقرر مستقبلهم نيابة عنهم، مع التشديد على حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض تحويل المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم في قطاع غزة.وهنا تكمن قوة الخطاب الفلسطيني: فهو لم يكن خطاباً للانتقام أو الإلغاء، وإنما خطاب شعب يطالب بحقه في الحرية والاستقلال، ويتمسك بالحل السياسي وبالقانون الدولي، ويضع أمام العالم مسؤولياته تجاه شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود.أما خطاب العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، فقد جاء ليضع القضية الفلسطينية في إطارها الأوسع، باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها، وليس مجرد نزاع محلي يمكن احتواؤه أو تأجيله.وقد كان التحذير الملكي من أن "الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديداً إقليمياً" من أبرز الرسائل السياسية في خطابه، إلى جانب تحذيره من التطورات الإسرائيلية في سورية، وربط أمن الحدود الأردنية والمياه والمصالح الوطنية الأردنية بالتطورات الإقليمية.وهذا الموقف الأردني يحمل أهمية استثنائية بالنسبة لنا في فلسطين؛ لأن الأردن وفلسطين لا تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة فحسب، وإنما تجمعهما أيضاً حقيقة أن أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية أو فرض التهجير أو تغيير هوية القدس أو إعادة رسم خرائط المنطقة ستكون لها انعكاسات مباشرة على البلدين.لقد عبّر الملك عبد الله الثاني عن حقيقة سياسية يجب أن يدركها العالم: ما يجري في غزة والضفة الغربية لا يمكن فصله عن المسار الإقليمي العام، كما أن الاستيطان والضم والتهجير لا يمثل خطراً على الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد منظومة الأمن والاستقرار التي قامت عليها المنطقة برمتها.ومن هنا فإن التلاقي بين الموقفين الفلسطيني والأردني ليس تلاقياً ظرفياً، وإنما هو تعبير عن شراكة في المصير والمسؤولية والمصلحة، وعن إدراك مشترك بأن أمن الأردن لا ينفصل عن مستقبل فلسطين، وأن حماية القدس ومقدساتها وهويتها التاريخية مسؤولية تتجاوز الحدود السياسية.في الجانب الآخر، جاء خطاب بنيامين نتنياهو في ظل واقع دولي مختلف تماماً عن الصورة التي حاول رسمها. فقد تحدث نتنياهو عن إسرائيل باعتبارها الطرف الذي يدافع عن نفسه، وهاجم منتقدي حكومته، وسعى إلى تقديم رواية تبرر العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدافع عن سياسات حكومته، بينما كانت إسرائيل تواجه في الوقت نفسه انتقادات دولية متزايدة بسبب حرب غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.وكان نتنياهو قد أعلن مسبقاً أنه سيذهب إلى الأمم المتحدة لـ"قول الحقيقة" بشأن إسرائيل وجنودها، لكن المشهد الذي رافق خطابه تحول إلى واحدة من أبرز الصور السياسية في اجتماعات الجمعية العامة لهذا العام.فقد غادرت أو امتنعت عشرات الوفود عن حضور الخطاب، فيما أشارت تقارير إلى أن العدد بلغ 77 وفداً، في مشهد عكس مستوى الاحتجاج السياسي والدبلوماسي على السياسات الإسرائيلية.وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد مقاعد خالية في قاعة الأمم المتحدة، وإنما بصورة سياسية لها دلالاتها: فحين يقف رئيس حكومة دولة في أهم منبر دولي في العالم، بينما يغادر عدد كبير من ممثلي الدول القاعة، فإن ذلك يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الخطاب الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية وبين قطاعات واسعة من المجتمع الدولي.المقارنة بين الخطابات الثلاثة تظهر اختلافاً واضحاً في الأولويات. فالرئيس محمود عباس تحدث عن إنهاء الاحتلال، وحق تقرير المصير، وحل الدولتين، ورفض التهجير، وتجديد المؤسسات الفلسطينية، واللجوء إلى القانون الدولي.والملك عبد الله الثاني تحدث عن إنهاء الصراع، وحماية الفلسطينيين، وخطورة التوسع الإسرائيلي على الأمن الإقليمي، ومسؤولية المجتمع الدولي.أما نتنياهو فقد جعل الجزء الأكبر من خطابه يدور حول الدفاع عن إسرائيل وتبرير عملياتها ومهاجمة خصومها، في وقت كان فيه المشهد الدولي المحيط بخطابه يقدم صورة مختلفة عن الرواية التي حاول تثبيتها.وهنا يجب أن نقول بوضوح إن قوة الخطاب لا تقاس بعدد الكلمات أو حدة العبارات، وإنما بقدرته على مخاطبة الضمير العالمي وبناء رواية سياسية قابلة للحياة. وفي هذا السياق، بدا الخطاب الفلسطيني أكثر اتصالاً بالمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة: حق الشعوب في تقرير مصيرها، رفض الاحتلال، حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي.لقد حاولت إسرائيل، طوال سنوات طويلة، أن تجعل القضية الفلسطينية قضية أمنية فقط، وأن تحصر النقاش العالمي في أحداث معينة، متجاهلة جذور الصراع وواقع الاحتلال والاستيطان.لكن حرب غزة وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع جعلت القضية الفلسطينية تعود إلى قلب النقاش العالمي بصورة غير مسبوقة.ولا يعني ذلك أن الفلسطينيين حققوا كل أهدافهم السياسية، ولا أن المعاناة انتهت، بل يعني أن القضية الفلسطينية باتت حاضرة بقوة في العواصم والمنظمات الدولية، وأن موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين أصبح جزءاً أساسياً من النقاش الدبلوماسي الدولي.وفي خطاب الرئيس عباس، كانت الإشارة إلى اعتراف 160 دولة بدولة فلسطين رسالة واضحة إلى أن القضية لم تعد هامشية في النظام الدولي، بل أصبحت دولة فلسطين حاضرة في العلاقات الدولية رغم استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية.وهذا التحول يجب أن يتحول إلى قوة سياسية وقانونية منظمة، لا إلى مجرد تعاطف دولي مؤقت.إن خروج عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة أثناء خطاب نتنياهو لا ينبغي قراءته باعتباره حدثاً بروتوكولياً عابراً . بل هو مشهد سياسي يحمل رسالة إلى الحكومة الإسرائيلية مفادها أن القدرة على فرض الرواية لم تعد كما كانت، وأن الدعم السياسي لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن معالجة جذور الصراع.وقد جاءت هذه الصورة في لحظة حساسة للغاية بالنسبة إلى نتنياهو، الذي يتجه إلى انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وسط منافسة سياسية محتدمة واستطلاعات متقاربة لا تسمح باستخلاص نتيجة انتخابية مسبقة.ومن الطبيعي أن يصبح الخطاب الدولي حول الحرب والاستيطان والشرعية الدولية جزءاً من السجال السياسي الإسرائيلي الداخلي، لكن لا يجوز الجزم بأن مشهد الأمم المتحدة سيؤدي بذاته إلى نتيجة انتخابية محددة. فالانتخابات الإسرائيلية تحكمها عوامل داخلية متعددة، بينها الأمن والاقتصاد والائتلافات الحزبية وأداء الحكومة وقضايا أخرى.ومع ذلك، فإن استمرار اتساع الانتقادات الدولية للحكومة الإسرائيلية يمثل، سياسياً ودبلوماسياً، تحدياً متزايداً لإسرائيل.وهنا تبرز الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب باعتبارهما الطرف الأكثر قدرة على التأثير في المرحلة المقبلة.واللافت أن خطاب ترامب أمام الجمعية العامة في 22 أيلول/سبتمبر الماضي، لم يتضمن سوى إشارة واحدة إلى إسرائيل، ولم يذكر نتنياهو بالاسم، بينما ركز بصورة أكبر على ملفات أخرى، وعلى رأسها إيران وأجندة السياسة الخارجية الأميركية.وهذا لا يعني تحولاً أميركياً في الموقف من إسرائيل، ولا ينبغي تفسيره على أنه قطيعة مع الحكومة الإسرائيلية، لكنه يفتح الباب أمام سؤال سياسي مهم: إلى أي مدى تستطيع الإدارة الأميركية الاستمرار في تحمل الكلفة الدولية المتزايدة للسياسات الإسرائيلية؟لقد قدم الرئيس عباس في خطابه رسالة واضحة إلى واشنطن: إن الفلسطينيين لا يطلبون حرباً جديدة ولا يريدون إلغاء أحد، بل يطالبون بتنفيذ حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال، وحماية الشعب الفلسطيني، وتسريع تنفيذ المسار السياسي المرتبط بخطة غزة الأميركية.كما أن الموقف الأردني وضع أمام الإدارة الأميركية حقيقة أخرى: استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، وإنما يمكن أن يخلق أزمات أمنية وسياسية إقليمية تتعارض مع المصالح الأميركية نفسها في المنطقة.ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون أمام واشنطن ليس كيف تحمي إسرائيل من الانتقادات الدولية، وإنما كيف تستخدم نفوذها لمنع استمرار المسار الذي يهدد بإطالة الحرب وتوسيع دائرة عدم الاستقرار.إن فلسطين والأردن يقفان اليوم أمام العالم برسالة واحدة في جوهرها: لا سلام من دون عدالة، ولا أمن من دون حرية، ولا استقرار في الشرق الأوسط من دون حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وشاملاً.أما إسرائيل، فإن استمرارها في تجاهل هذه الحقيقة لن يؤدي إلى إسكات القضية الفلسطينية، بل سيزيد من كلفة العزلة السياسية والدبلوماسية التي بدأت مظاهرها تظهر بوضوح على المسرح الدولي.وفي النهاية، فإن قوة فلسطين الحقيقية ليست في امتلاك القوة العسكرية، وإنما في عدالة قضيتها، وصمود شعبها، وتمسك قيادتها بالشرعية الدولية، وفي اتساع دائرة الدول والشعوب التي باتت ترى أن استمرار الاحتلال ليس طريقاً إلى الأمن، وأن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى فوق أنقاض الحقوق الفلسطينية.* الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس.
ثلاثة خطابات في الأمم المتحدة.. فلسطين والأردن في مواجهة رواية نتنياهو
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
الدكتور أسعد العويوي أكاديمي وباحث سياسي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)