يبحث كتاب «الكرم والبخل في الشعر الجاهلي» للباحث الأردني عبد الرحمن محمد عياصرة في صفتين متضادتين شغلتا مساحة واسعة في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، هما الكرم والبخل، متخذًا من تجربتي الشاعرين حاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح الأوسي نموذجًا لدراسة حضور هاتين الصفتين وبواعثهما وتجلياتهما في الشعر. ويغوص الكتاب في أعماق الصورة التي رسمها الشعر العربي للكريم والبخيل، محاولًا الانتقال من مجرد وصف الصفة إلى البحث في دوافعها وأبعادها النفسية والاجتماعية، وما تكشفه القصيدة من ملامح الشخصية الإنسانية.
يبدأ الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بمقدمة يوضح فيها المؤلف أهمية الكرم في الثقافة العربية، مشيرًا إلى أن هذه الصفة شغلت الشعراء والأدباء منذ الجاهلية، وأنها ارتبطت بصورة المجد والسيادة، حتى غدا حاتم الطائي أشهر رموزها في الذاكرة العربية. وفي المقابل، يتناول البخل بوصفه النقيض الذي حظي كذلك بحضور واسع في الشعر والأدب، ولا سيما في سياق الهجاء والانتقاص من الأفراد والقبائل. ويرى المؤلف أن دراسة الصفتين معًا تتيح الكشف عن جوانب من الذات الإنسانية لا تظهر عند دراسة إحداهما بمعزل عن الأخرى.
ولا يقتصر الكتاب على التعريف بالكرم والبخل، وإنما يقسم مادته إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة. ويتناول التمهيد مفهوم الكرم والبخل لغة واصطلاحًا، ومكانتهما في القرآن الكريم والسنة النبوية والشعر العربي، قبل أن ينتقل إلى التعريف بحاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح وتسليط الضوء على حياة كل منهما. أما الفصل الأول فيبحث بواعث الكرم عند حاتم الطائي وتجلياته في شعره، وبواعث البخل عند أُحيحة بن الجلاح وتجلياته في شعره، بينما يخصص الفصل الثاني لدراسة اللغة والمعجم الشعري عند الشاعرين. ويقدم الفصل الثالث دراسة تطبيقية لرائية حاتم الطائي ولامية أُحيحة بن الجلاح وفق المنهج الأسلوبي، على المستويين الصوتي والتركيبي، فيما تعرض الخاتمة أبرز النتائج التي توصل إليها الباحث.
ومن الفقرات التي يطعم بها الكتاب دراسته ما يورده في الحديث عن حياة الشاعر حاتم الطائي ونسبه، إذ يقول: «حاتم بن عبد اللَّه بن سعد بن الحَشْرج بن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم، واسمه هزومة بن ربيعة بن جرول بن عمرو بن الغوث بن طيء، ويكنى بأبي سَفَّانة وأبي عديّ، سُمّي بذلك بابنته سَفَّانة وهي أكبر ولده وبابنه عَديّ بن حاتم». ويقدمه بوصفه سيد قبيلة طيء وشاعرها وفارسها، وكريم العرب ومضرب مثلها في الجود والسخاء والكرم. ويستحضر المؤلف المثل العربي المعروف: «أكرم من حاتم»، مؤكدًا أن ذكر الكرم اقترن في الذاكرة العربية بذكر حاتم الطائي.
ولا يتوقف البحث عند شخصية حاتم نفسها، إذ يضيء المؤلف كذلك على والدته عِنَبَة، التي ينقل عنها أنها كانت من أسخى نساء العرب وأقراهن للضيف، مستعرضًا قصة ارتبطت بكرمها وشدة سخائها. كما يتناول أخبار والد حاتم وزوجاته ومولده ووفاته، مع الإشارة إلى اختلاف بعض الروايات في عدد من التفاصيل، وهو ما يكشف طبيعة المادة التراثية التي تعامل معها الباحث وميله إلى عرض الروايات ومقارنتها.
وفي الضفة المقابلة، ينتقل الكتاب إلى أُحيحة بن الجلاح الأوسي، الذي كان سيد الأوس في الجاهلية، وشاعرًا مقلًا، وعُرف بالدهاء وصواب الرأي والشجاعة والفروسية، إلى جانب اشتهاره بالبخل. ويشير المؤلف إلى المفارقة التي تثيرها هذه الشخصية، متسائلًا: «وعجبًا كيف يجتمع البخل، والشجاعة في ذات الشخص!». كما يتوقف عند ما ورد في ديوان أُحيحة من أبيات تمدحه وتصفه بالحماية وإغاثة الخائف وإشباع الجائع، وهي صورة تبدو متعارضة مع الروايات التي اشتهر فيها بالبخل.
التعليقات (0)