لم يكن إبراهيم فوزي محسن (36 عاماً) يعلم وهو يطأ بقديمه المنهكتين ثرى مقبرة السوارحة في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، أنه لا يسير فقط لزيارة شقيقه الراحل، بل كان يخطو خطى الوداع الأخير نحو حتفه المكتوب برصاص الغدر الصهيوني، هناك، حيث تلتحف الأرض بأجساد الأطهار، جثا إبراهيم بخشوع أمام القبر الممهور باسم شقيقه الشهيد "خليل"، باسطاً كفيه نحو السماء، يرتل آيات الفاتحة ودموعه تروي رمال القبر الجافة، ساهياً عن واقع الحرب المرير، هائماً في ملكوت الاشتياق لأخٍ خطفه الموت باكراً.
وفي تلك اللحظات الروحانية الساكنة، لم يكن الموت بعيداً، بل كان يحلق في سماء المقبرة على متن ثلاث طائرات حربية بدون طيار للاحتلال، كانت ترصد بنظراتها الحاقدة طهر الدعاء. لم تكن الجريمة هنا عادية يمكن أن تمر في سجلات التوثيق اليومية، بل كانت جريمة مركبة شديدة البشاعة، تعمدت باستهداف همجي انتهاك حرمة الموتى والمقابر التي قدّسها البشر والشرائع. كان بإمكان تلك الطائرات القاتلة أن تستهدف إبراهيم في أي زقاق أو شارع خارج المقبرة، لكن عقيدة القتل الصهيونية أبت إلا أن تغتال قدسية اللحظة، وتطلق صاروخها الغادر في ذات الثانية التي ارتفع فيها صوت إبراهيم بالدعاء لشقيقه، لتختلط دماؤه الطازجة بتراب القبر القديم.
ما أغرب قصص الموت، وما أعجب حكايا الشهادة التي تصاغ خيوطها الدموية في قطاع غزة؛ ففي لمحة بصر انشقت الأرض وتناثرت الأشلاء، وتحولت زيارة المقبرة الهادئة إلى جنازة تشييع مهيبة وصاخبة بالبكاء. ارتقى إبراهيم شهيداً مدرجاً بدماء الوفاء، وغاب جسده في ذات الحفرة التي احتضنت شقيقه خليل قبل أشهر، تاركاً خلفه والداً مكلوماً شاب شعر رأسه من هول الفقد، ينتظر عودة ولده بكسرة خبز أو بابتسامة طمأنينة، فلم يَعُد إليه إلا محمولاً على الأكتاف داخل كفن أبيض مخضب بالدماء. أخبار ذات صلة ارتفاع حصيلة الشهداء في غزة إلى 73,910 قائد لواء رفح "أبو عبيد" برفقة القادة الشهداء الجعبري والعطار وأبو شمالة
بشهادة إبراهيم، ينكأ الجرح الغائر لعائلة "محسن" المجاهدة، ويلتحق الشاب بركب أشقائه الأربعة الشهداء الذين سبقوه إلى جنان الخلد: محمد، وخليل، ويوسف، وإسماعيل فوزي محسن، لتكتمل الأقمار الخمسة في سماء عائلة فلسطينية قدمت فلذات أكبادها قرابين على مذبح الحرية والخلاص من المحتل.
هذه القصة التراجيدية التي تهز أركان النفس ويبكي لمرارتها الحجر، تختزل حكاية شعب كامل يُذبح من الوريد إلى الوريد، وتثبت أن الموت في غزة لا يحترم مقبرة ولا يمهل داعياً، لكنه يصنع أساطير صمود وتضحية تتوارثها الأجيال حتى دحر الاحتلال.
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص تجربتك ، وتحليل أداء موقعنا ، وتقديم المحتوى ذي الصلة (بما في ذلك الإعلانات). من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط وفقًا لموقعنا سياسة ملفات الارتباط.
التعليقات (0)