لم تكن مصادفة، ولا عن جهل وسوء تنظيم، ولا وفقا للقرعة أو الترتيب الابجدي، القاء كلمات الوفود في دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعاقبة، انما تخضع لتنظيم وترتيب المتحدثين في المناقشة العامة رفيعة المستوى الى بروتوكولات صارمة وأعراف تاريخية متوازنة. وتأتي معايير الاسبقية، بالنسبة لباقي الدول الأعضاء وكيانات المراقبة (مثل دولة فلسطين وإسرائيل)، يتم إعداد قائمة المتحدثين بناءً على تاريخ وقت تقديم الطلب وحجزه لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة. لكن من الواضح أن إسرائيل تختار توقيت كلمتها بعد القاء ممثل دولة فلسطين كلمته، لاعتبارات خاصة بها، وهذا لوحظ في غالبية الدورات السابقة، رغم ان الدولتين من فئتين مختلفتين. ومثلت كلمة الرئيس محمود عباس، رئيس دولة فلسطين أول أمس الخميس 24 أيلول / سبتمبر 2026، في الدورة ال 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي سبقت كلمة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في ذات اليوم، خطاب الدفاع عن العدالة والسلام والدعوة للتعايش، ورفض الظلم والإبادة الجماعية وجرائم الحرب الإسرائيلية المتصاعدة على الشعب الفلسطيني، ورفض الاستعمار العنصري الإسرائيلي القائم على التطهير العرقي والتهجير القسري، ورفض الاملاءات والتغول من الولايات المتحدة الأميركية واداتها الإسرائيلية على القرار الوطني المستقل، والتأكيد على ممارسة القيادة الفلسطينية حقها المشروع في ملاحقة دولة النازية الإسرائيلية في المحافل الدولية والمحاكم الدولية: محكمتي العدل والجنائية الدولية، دفاعا عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني، ووفقا للقوانين والشرائع والمعاهدات الدولية، ودفاعا عن السلام وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 196، ومطالبة الإدارة الأميركية بالكف عن سياسة البلطجة والاستباحة لحصانة هيئة الأمم المتحدة، التي لم تمنح الوفد الفلسطيني تأشيرات الدخول للولايات المتحدة، وحرمان الوفد الفلسطيني للدورة الثانية (80 و81) من مخاطبة الوفود المشاركة مباشرة من على منبر هيئة الأمم المتحدة، رغم ان صوت فلسطين وصل عاليا عبر تقنية الزووم، وكان حضور فلسطين هادرا وحاضرا بقوة من اللحظة الأولى لبدء اعمال الدورتين، وخاصة الدورة الحالية 81، التي بدأت اعمالها يوم الثلاثاء 22 سبتمبر الحالي، من خلال كلمات ملوك ورؤساء وامراء واولياء العهد ورساء الوزراء والوزراء، الذين سبقوا كلمة الرئيس الفلسطيني، ومازالت فلسطين حاضرة في كلمات باقي الوفود الداعمة للحقوق الفلسطينية، والداعمة لخيار السلام. في حين جاءت كلمة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، التي مثلت خطاب الاستعمار النازي المؤصل للكراهية والاكاذيب، والمتخندق في مواقع إرهاب الدولة وعصاباتها الاستيطانية، والرافض للسلام، والدافع الصراع نحو صراع الوجود والنفي والاجلاء للفلسطينيين من ارض وطنهم الام فلسطين، و الساعي الى الاحلال للمستعمرين الصهاينة، دون أي وجه حق سياسي أو قانوني أو تاريخي، ومهاجمة الدول وزعماء الوفود العربية والإسلامية والاممية وخاصة من الدول الأوروبية والغربية عموما المؤيدين لخيار حل الدولتين، والادعاء الكاذب والفاقد للأهلية والمنبوذ ب "دفاع إسرائيل عن نفسها"، والادعاء بأن دولته اللقيطة والمارقة والخارجة على القانون الدولي "لم ترتكب الإبادة الجماعية ضد أبناء الشعب الفلسطيني"، واعتبرها "أكبر كذبة في هذا القرن."، ونسي أو تناسى أن أكبر كاذب في هذا القرن والقرن السابق، هو وزعماء دولته المتعاقبين، وتنكر نتنياهو للشواهد كافة الماثلة أمام العالم اجمع، وكأن مئات الالاف من الشهداء والجرحى والمفقودين وأسرى الحرية الفلسطينيين، والدمار الهائل للمدن والاحياء والمخيمات والمدارس والجامعات والمستشفيات والمعابد الإسلامية والمسيحية، ونزوح مليون وتسعمائة الف الذين يعيشون في الخيام الممزقة داخل قطاع غزة، التي لا تقيهم من حر الصيف وبرد الشتاء، وحرب التجويع والامراض، وعدم ادخال المساعدات الإنسانية وفق قرارات مجلس الامن المتعددة وخاصة القرار 2803 وخطة دونالد ترمب ذات ال 20 نقطة، ودمار البنى التحتية من طرق وصرف صحي وكهرباء ومياه، هذه الحقائق المائلة على الأرض الفلسطينية، لم تعد تقنع احداً من زعماء ودول وشعوب العالم، باستثناء ممثلي الإدارة الأميركية والأرجنتين وسلوفينيا وبعض الجزر غير المرئية في الجغرافيا. وغيرها من الأكاذيب والادعاءات الماجنة والمارقة في ذرائعية وقحة عمقت صورته وصورة دولته النازية والمنبوذة، والتي تمثلت بانسحاب عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة مع دخوله لإلقاء خطاب، وأما القلة الباقية من الوفود، أما أملي عليها البقاء لاعتبارات سياسية، أو منحازة للنازية الإسرائيلية. هذان الخطابان لا يلتقيان، ولا توجد أية قواسم مشتركة بينهما، فشتان بين من يطالب بالعدالة ويدافع عن السلام والتعايش، وبين من يواصل الإبادة في عموم الوطن الفلسطيني في القطاع والضفة الغربية بما فيها العاصمة الفلسطينية القدس الشرقية، ويرفض السلام، ويرفض مبدأ وجود دولة فلسطينية بين البحر والنهر، ويمارس وأركان حكومته من النازيين القرصنة والعربدة على أموال المقاصة لتجفيف وخنق الكيانية الفلسطينية، ويسعى لفرض التهجير القسري على الشعب الفلسطيني، ويعمق صراع الوجود، ويدفع بخيار الحرب الدينية قدما، دون أي ضابط أو وازع سياسي أو قانوني أو أخلاقي. وما لم تتراجع الحكومات الإسرائيلية الحالية واللاحقة عن هذا الخيار، فإن الصراع سيذهب بعيدا الى مآلات لا تحمد عقباها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)