يُحكى أن معلمة سألت طفلًا ذات يوم: لو عُرض عليك أن تختار بين كمية كبيرة من المال وكمية كبيرة من العقل، فأيهما تختار؟ أجاب الطفل دون تردد: المال. فقالت له المعلمة: لو كنت مكانك لاخترت العقل. فرد الطفل بفطرة وذكاء طبيعي: كل واحد يأخذ الذي ناقصه، كانت المعلمة تريد أن تعلّم الطفل درسًا في قيمة العقل، لكنها لم تنتبه إلى أن الطفل كان يجيب عن سؤال أعمق بكثير؛ فالإنسان يحاول غالبا تعويض ما لديه من نقص ،وفي المثال اعتقد الطفل انه يملك ما يكفي من العقل لكنه لا يملك ما يكفي من المال.
وتذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع خطاب دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026،بالتاكيد كان يبحث عن تعويض ما ينقصه، ولم أتذكرها بسبب حديثه عن الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما لأن الخطاب نفسه كان يحمل مفارقة يصعب تجاهلها: رجل يبالغ في استعراض القوة، ويتحدث عن العالم من موقع المتفوق، وتظهر في خطابه عنجهية وتكبر واضحان، ثم يصل إلى الحديث عن «الذكاء الفائق»، وهنا يصبح السؤال الساخر مشروعًا: ماذا لو كان الرجل الذي يريد للآلة أن تكون فائقة الذكاء يعاني أصلًا من نقص في الذكاء؟
كان خطاب ترامب استعراضًا للقوة أكثر منه محاولة لفهم العالم، تحدث عن كوبا والمكسيك وغرينلاند وإيران، وكأن القضايا الدولية ملفات يمكن ترتيبها على مكتب الرئيس الأمريكي، ثم إصدار الأوامر بشأنها، كوبا يجب أن تتغير، والمكسيك مطالبة بمواجهة ما يراه تهديدًا، وغرينلاند تظهر بوصفها قضية استراتيجية وأمنية أمريكية، وإيران أمام الاتفاق أو التهديد بالإبادة، وبين هذه الملفات المختلفة بدت الفكرة واحدة: أنا أملك القوة، إذن ينقصني فقط الذكاء الفائق.
وهنا يصبح الحديث عن العنجهية والتكبر أكثر من وصف لنبرة عابرة، فالعنجهية هي أن تتحول القوة في ذهن صاحبها إلى حق، وأن يتحول التفوق إلى اعتقاد بأن الآخرين مطالبون بالانحناء أمامه، أما التكبر فهو أن يتعامل صاحب القوة مع رأيه كما لو أنه لا يحتاج إلى كثير من النقاش، لأن امتلاك القدرة على فرضه يغنيه في نظره عن إقناع الآخرين به، وهذا بالضبط ما جعل خطاب ترامب يبدو أحيانًا كأنه صادر عن رجل لا يرى في العالم شركاء أو خصومًا فحسب، بل درجات متفاوتة من القوة، هو في أعلاها.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي،هنا أخذ الخطاب منعطفًا يكاد يكون ساخرًا من تلقاء نفسه، لم يعد ترامب يريد أن يسمي الذكاء الاصطناعي باسمه المعتاد، بل الذكاء الفائق، وقال إن من يفوز بالذكاء يفوز، أي أن السباق على الذكاء يجب أن يتحول هو الآخر إلى سباق قوة وتفوق، وأن الدولة التي تمتلك العقل الأكثر قدرة هي الدولة التي تنتزع موقعها في القمة، وكأن العالم لم يعد ينقصه سوى عقل أسرع في خدمة القوة التي استعرضها ترامب قبل ذلك.
وهنا تعود جملة الطفل: «كل واحد يأخذ الذي ينقصه»، فالطفل اختار المال لأنه رأى أنه ما ينقصه، أما ترامب، بعد كل ذلك الاستعراض للقوة، فقد وجد أن هناك شيئًا آخر لا بد من امتلاكه: ذكاء يفوق ذكاء الآخرين، والمفارقة القاسية أن الرجل الذي يريد ذكاءً فائقًا للولايات المتحدة قدم في خطابه نفسه مادة وفيرة للسخرية من قصور التفكير؛ فحين تصبح القوة بديلًا عن الحجة، والتهديد بديلًا عن السياسة، والتفاخر بالتفوق بديلًا عن الحكمة، يصبح الحديث عن الحاجة إلى «الذكاء الفائق» أكثر إثارة للضحك مما كان يتصور صاحبه.
التعليقات (0)