إن مساحة الوعي وتعريفه لدى مختلف العلماء (في علوم الأعصاب والنفس، والفلسفة) واسعة، فعلى سبيل المثال فإن عالم الأعصاب كريستوف كوش يرى الوعي بأنه "كل ما تشعر به، وهو تلك الصور الذاتية والأصوات والأفكار والمشاعر التي تعيشها في كل لحظة يقظة، ويمثل الخلاصة التي تنتجها شبكات الأعصاب" فيما أن أنطونيو داماسيو يقول من الزاوية التشريحية أو الفسيولوجية أن الوعي هو عبارة عن رحلة تبدأ ب"الوعي الأساسي" ما يعنيه ذلك من الشعور باللحظة الآنية وبالجسد ويتطور إلى "الوعي الممتد" شاملًا الماضي والمستقبل والهوية.
يقول الفيلسوف عبدالله العروي رابطًا الحرية بالوعي أن "الوعي بالحرية هو جوهرها؛ فلا يمكن الحديث عن حرية حقيقية أو تقدم إلا إذا كان المجتمع واعيًا بمعناها وتاريخها وشروط تحققها." ويرى د. عصمت سيف الدولة أن الوعي هو "إدراك الإنسان لواقع مادي يسعى لتغييره" أما عباس محمود العقاد فيبشر بما أسماه "الوعي الكوني" حين يقول في كتابه المعنون "الله" "إن للإنسان وعيًا باطنًا لا يقصر عن وعي عينيه...وما أحرانا أن نفسح للوعي الكوني وللبداهة مجالًا يتسع مع الزمان". لذا فهو هنا حاسة باطنية ونوع من الارتقاء النفسي والروحي ليربط بكتابه الآخر المعنون "أنا" بين الوعي والحرية حين يعتبر الوعي بالذات والاستقلالية الفكرية هما أساس الإنسان ومقياس سموه.
لنخلص من آراء المفكرين العرب وعلماء الاختصاص أن الوعي يمكن تعريفه كالتالي:
هو حالة الإدراك أو اليقظة التي تمكن الإنسان من فهم واستيعاب نفسه، والحقائق والمعارف وبيئته المحيطة. فيما أن الجهالة أو الجهل بالمقابل يعني غياب المعرفة أو تبني الوهم أو الأساطير والخرافات.
لننظر من زاوية محددة هي أن الثقافة (يوجد تعريفات أخرى مختلفة) تعني المخزون أي مخزون المعلومات والعادات والفنون والعلوم المتراكمة فإنها بهذا التعريف لا تصنع مثقفًا حقيقيًا فلا يعني حفظ الكتب ثقافة حقيقية إلا متى ارتبط ذلك بالسلوك اليومي من جهة المرتبط بالقيم والمبادئ ومن هنا يمكننا الاستدلال على العلاقة بين الثقافة والوعي بالتعريف المشار إليه للقول أن الثقافة تمثل المُدخلات والوعي هو طريقة المعالجة والتطبيق.
ومن هنا كان عنواننا الكبير أن "لا قيمة للورق بلا أرق" بمعنى أن الثقافة ليست كتلًا من المعلومات أو المعارف يتم تكويمها وإنما هي ثقافة بمقدار قدرتك على الفرز والتنخيل والتفكر الدائم فيها والمعالجة والتطبيق.
التعليقات (0)