f 𝕏 W
التباين والانتخاب وتطور الطبيعة والمجتمع

وكالة قدس نت

سياسة منذ 48 دق 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

التباين والانتخاب وتطور الطبيعة والمجتمع

مازن قمصية يكتب: التباين والانتخاب وتطور الطبيعة والمجتمع (بقلم البروفيسور مازن قمصية)

بقلم البروفيسور مازن قمصية

تُعد فكرة "التباين والانتخاب" واحدة من أقوى الأفكار العلمية وأبسطها في آن واحد: فالأشياء تتغير، والبيئة المتغيرة والمعقدة هي التي تحدد أيّاً من هذه التغيرات سيستمر ويبقى. وفي علم الأحياء، يمثل هذا الأمر المحرك الأساسي للتطور، ويمكننا استخلاص دروس منه لفهم الوتيرة المتسارعة للتطور الاجتماعي وتغير النماذج الفكرية السائدة. تتباين الكائنات الحية من جيل إلى آخر، وتنتقل بعض سمات هذا التباين عبر الأجيال، بينما تعمل البيئة بمثابة "مصفاة"؛ فالسمات التي تساعد الكائن الحي على البقاء والتكاثر تميل إلى الانتشار، في حين تميل السمات الضارة إلى التلاشي. ومع مرور الوقت الكافي، يمكن للتباين والانتخاب -عندما يعملان معاً- أن يعيدا تشكيل المجتمعات بأكملها؛ وهي العملية التي أدت إلى نشوء التعقيد البيولوجي والتنوع الحيوي الذي نراه من حولنا. وتُعد الطفرات الجينية أحد المصادر الرئيسية لالتباين؛ ففي كل مرة تُنسخ فيها المادة الوراثية، تحدث أخطاء صغيرة. وتُظهر أبحاثي أيضاً أن الأنواع التي تنجح في البقاء ضمن بيئة متغيرة تنتج قدراً أكبر من التباين، مما يمنح نسلها فرصاً أوسع للبقاء؛ فالذئاب، على سبيل المثال، تمتلك عدداً كبيراً من الكروموسومات مما يتيح قدراً أكبر من التباين، ولهذا السبب أمكن استئناسها بسرعة وإنتاج التنوع المذهل في سلالات الكلاب التي نراها اليوم، وينطبق الأمر ذاته على الأبقار والأغنام. إن معظم التغيرات الجينية لا تُحدث تأثيراً يُذكر أو لا تُحدث أي تأثير على الإطلاق، وبعضها يكون ضاراً، بينما يبقى المفيد منها في بيئة معينة. وهذا متغير مع البيئة فالسمة التي تُعد ميزة اليوم قد تصبح محايدة، أو حتى عبئاً، بمجرد تغير الظروف.

الانتخاب الطبيعي يعمل بناءً على التباين الموجود ولا يوجد كائن حي يختار أن يتطور. فالأمر أبسط من ذلك بكثير: الأفراد الذين تتميز سماتهم بكونها ملائمة لظروفهم يميلون إلى البقاء والتكاثر بمعدلات أعلى قليلاً، ويرث نسلهم تلك السمات، مما يجعلها أكثر شيوعاً بمرور الوقت. وعند تكرار هذه العملية عبر الأجيال تتغير الكائنات الحية وتتنوع . قد يميل المرء إلى اعتبار هذه العملية مسيرة نحو الكمال، لكن الواقع مختلف؛ فالتطور لا يهدف إلى خلق كائنات مثالية، ولا يسعى بالضرورة نحو التعقيد. إن ما ينتجه التطور هو كائنات حية ملائمة بما يكفي لمكان وزمان محددين - لا أكثر من ذلك - ولا يوجد خط نهاية تسعى العملية للوصول إليه. ومع ذلك، يظل التباين أساسيا وتظل معدلات الطفرات مستمرة. ولهذا السبب، على سبيل المثال، نجد أن نحو 2% من أفراد جنسنا البشري يعانون من طفرات ومشكلات تتراوح بين الثلاسيميا ومتلازمة داون ومئات الأنواع من الامراض الوراثية الأخرى.

يكمن أحد أسباب تشجيع التنوع في أن البيئة ذاتها لا تبقى ثابتة أبداً؛ فالمناخ يتغير والبيئة تتغير، وتتطور الكائنات المفترسة والفرائس جنباً إلى جنب، وتظهر الأمراض والطفيليات وتتأرجح إمدادات الغذاء صعوداً وهبوطاً، ويظهر منافسون جدد، وتتبدل معالم الطبيعة. لذا، فإن التطور ليس مجرد تكيف للكائنات مع خلفية ثابتة، بل هو حوار مستمر بين كائنات متغيرة وعالم متغير. وهذا يقودنا إلى درس أوسع: البقاء لا يعتمد على الملاءمة التامة لظروف اليوم، بل على القدرة على مواكبة ظروف الغد.

ويمكن استخلاص دروس من هذه الفكرة تتجاوز نطاق علم الأحياء؛ إذ يجري حالياً توظيفها ببراعة في مجال التعلم الآلي (الذكاء الاصطناعي) لابتكار واختبار كل شيء افتراضياً، بدءاً من العقاقير الجديدة ووصولاً إلى الأسلحة الحديثة. وبالنسبة للمجتمع، يمكننا استخلاص دروس إيجابية من هذا الأمر؛ فالمجتمعات البشرية تطور أفكاراً جديدة تشبه الجينات والطفرات المستحدثة. وتُعرف هذه الأفكار أحياناً باسم "الميمات" (memes)، وهي قابلة للانتشار إذا أثبتت فائدتها في ظروف معينة؛ فقد ينتشر دين جديد أو تقليد فلسفي ما إذا كان يحقق مزايا تفوق تلك التي توفرها الأنماط السابقة. ورغم أن التغير الاجتماعي لا يخضع لآلية الانتقاء الدارويني بالمعنى الحرفي، إلا أن مبادئ التغيير تظل سارية؛ فالمجتمعات تولد قدراً هائلاً من التنوع يتمثل في أفكار وتقنيات ومؤسسات وأعراف ونظريات وأساليب لحل المشكلات. غير أن الأفكار التي تزدهر هي تلك التي لا تظل أسيرة الماضي وتتوقف عن التطور؛ فالتغيير في نهاية المطاف عملية ديناميكية وشاملة.

ما يميز البشر هو قدرتهم على خلق التنوع عن عمد؛ إذ يمكننا تصور بدائل قبل وجودها فعلياً، وإجراء التجارب، والنقاش، والابتكار، والنسخ، والتعديل، والتعلم من الأخطاء. فالمجتمع الذي يواجه مشكلة جديدة يمكنه توليد آلاف الاستجابات المحتملة، ثم تحديد أيها يثبت نجاعته عملياً من خلال التجربة والخطأ والنقاش العام. ولننظر إلى القرون القليلة الماضية: لقد أعادت الثورة الزراعية -التي شهدتها منطقة الهلال الخصيب قبل 12 ألف عام- تشكيل أنماط الاستيطان وإنتاج الغذاء. وفي المقابل، عانت أوروبا لقرون من الجمود العقائدي الديني الذي تسبب في بؤس هائل، وكان التخلص من هذا الجمود وتبني نماذج فكرية جديدة (عصر النهضة) خطوة تقدمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كما شهد العالم الإسلامي عصراً ذهبياً أُتيحت فيه الفرصة لتيارات فكرية متنوعة وشُجعت، مما أدى إلى تقدم العلوم بدءاً من الجبر (وهي كلمة عربية نقلت الى اللاتينية Algebra) ووصولاً إلى علم الفلك، وازدهرت مستويات المعيشة. كذلك، أحدثت المطبعة تحولاً جذرياً في طرق انتشار المعرفة، وأعاد التصنيع صياغة طبيعة العمل ووسائل النقل والحياة في المدن. لقد قلصت تكنولوجيا الاتصالات المسافات، بينما أعادت الحواسيب والإنترنت صياغة طرق تبادلنا للمعلومات. والآن، تقوم كل من الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، والطاقة المتجددة بالأمر ذاته مجدداً، إذ تغير البيئة التي يتعين على الأفراد والمؤسسات العمل في ظلها. إن أياً من اختراعاتنا أو أفكارنا ليس جيداً أو سيئاً في حد ذاته، أو صالحاً أو طالحاً في كل الظروف؛ فهي تعمل بفعالية ضمن بيئة (أو منظومة) معينة، لكنها قد تصبح ضارة إذا ما تغيرت تلك البيئة. ولهذا السبب، فإن التغيير سُنة ثابتة؛ فالجهات التي تطور أفكاراً (قد تكون جيدة في حينها) قد تعاني حينما تكف تلك الأفكار عن خدمة بيئه تغيرت. وهذا هو السبب في أن التشدد الديني قد يفضي في النهاية إلى ارتكاب فظائع، وهو أيضاً السبب في أن الصهيونية لا تتسبب في إبادة جماعية فحسب، بل في انتحار جماعي أيضاً؛ إذ أنها تتمسك بنماذج فكرية في عالم قد تغير وتبدل.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من وكالة قدس نت

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)