بينما ينشغل العالم بالحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي واحتمال خروجه عن السيطرة، يعيش الفلسطيني في الضفة الغربية نوعًا مختلفًا من الخوف. هناك من يخشى أن تصبح الآلة يومًا ما أقوى من الإنسان، بينما يخشى الفلسطيني اقتحامًا قد يحدث هذه الليلة، أو اعتداءً من المستوطنين، أو فقدان أرض، أو هدم منزل، أو حاجزًا يمنعه من الوصول إلى عمله وجامعته ومستشفاه.
هذا الاختلاف لا يعني أننا أقل وعيًا بالتكنولوجيا، ولا يعني أن الفلسطيني فقد الإحساس بالخطر، لكنه يكشف عن ترتيب مختلف تمامًا للأولويات والمخاوف. فالإنسان الذي يعيش تحت تهديد مباشر ومستمر لا ينظر إلى المستقبل بالطريقة نفسها التي ينظر بها شخص يعيش في دولة مستقرة تملك سيادتها ومواردها وأدواتها وقدرتها على التخطيط.
حين يحذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، من مخاطر التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، أو يصف إيلون ماسك هذا التطور بأنه مرعب ويطالب بوضع ضوابط له، تتحول هذه التصريحات في كثير من المجتمعات إلى نقاش عام حول مستقبل الإنسان والعمل والاقتصاد والأمن. أما عندنا، فقد تمر هذه التحذيرات كخبر تكنولوجي بعيد لا يثير القلق نفسه.
ليس لأننا لا نفهم ما يقال، بل لأن الخطر بالنسبة إلينا ليس فرضية مستقبلية. نحن نعيش خطرًا حاضرًا يستطيع الناس رؤيته وسماعه والشعور به في تفاصيل حياتهم اليومية. لذلك يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف ننجو اليوم؟ وليس: كيف سيكون شكل العالم بعد عشر سنوات؟
هنا تبدأ المشكلة الأعمق. فالاحتلال لا يسيطر فقط على الأرض والحركة والحدود، بل يؤثر أيضًا في قدرة المجتمع على تخيل المستقبل والاستعداد له. عندما يستهلك الحاضر معظم طاقة الإنسان النفسية والاقتصادية، تضيق المساحة المتاحة للتخطيط والاستثمار والابتكار. وعندما يتحول الأمان والعمل والدخل وحرية الحركة إلى تحديات يومية، قد يبدو الحديث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وبناء الشركات التكنولوجية نوعًا من الترف، رغم أنه لم يعد ترفًا على الإطلاق.
لا يمكن الحديث عن التطور التكنولوجي الفلسطيني بمعزل عن غياب السيادة. فالدولة التي تريد بناء اقتصاد رقمي تحتاج إلى السيطرة على بنيتها التحتية واتصالاتها وطيفها الترددي وحدودها وأسواقها وحركة معداتها ورؤوس أموالها. بينما لا يمتلك الفلسطيني هذه السيطرة كاملة، وتخضع جوانب أساسية من حياته الرقمية والاقتصادية لقيود الاحتلال.
التعليقات (0)