في الوقت الذي تزداد فيه اوضاع ابناء الشعب الفلسطيني سوءا على كافة الصُعد ، تواصل القيادة الفلسطينية استخفافها بعقول الناس ، والتمترس في ابراج عاجية بعيدا عن همومهم ، دون ادنى اكتراث بالخطر الوجودي الذي يتهدد الشعب العربي الفلسطيني ، وماضيةُ في سياسة التفرد بالقرارات ونهج الاقصاء والتهميش ، والرقص على الجراح والآلام واستثمار الوقت وبيع الوهم ، وضرب عرض الحائط بكافة الدعوات الداعية الى الوحدة الوطنية ، وحوار وطني شامل ، تشارك فيه كافة القوى والفصائل والمجتمع المدني ، يُساعد في تصحيح المسار، بل وتنقلب على اية تفاهمات قد تقود الى حوار وطني جاد . بدا يطفو على السطح ميل لدى القيادة لتاجيل الانتخابات التشريعية التي اعلن عنها الرئيس محمود عباس في مرسوم سابق له ، في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم ، بالرغم من اعلان لجنة الانتخابات المركزية عدم تلقيها اي طلب لتأجيل الانتخابات او الغائها ، تحت ذرائع كانت موجود اصلا قبل اعلان المرسوم ، ومن اهمها صعوبة اجراءها في قطاع غزة الذي يقع اكثر من سبعين بالمئة منه تحت الاحتلال ، وكذلك القدس ، والتي لاجلها تاجلت الانتخابات التي كانت مُقررة عام 2021 ، بالرغم من ان لجنة الانتخابات المركزية قدمت حلا لهذه المُعضلة حين اعطت الحق للمقدسيين الانتخاب باي مركز اقتراع يقع في طريقهم !! والبدء بالاجراءات باتجاه اجراء انتخابات للمجلس الوطني ، الامر الذي ترفضه غالبية شرائح الشعب الفلسطيني ، خاصة انها تأتي قبل اي حوار وطني شامل ، ينتُج عنه اتفاق مشترك حول آلايات ، هذا ناهيك عن امكانية رفض المجتمع الدولي لمثل هذه الانتخابات ، ما يعني ربما تخلي الاتحاد الاوروبي عن التزاماته المالية للسلطة الفلسطينية ، الامر الذي سيُفاقم من المعاناة !! وبات من الواضح ، ان المراسيم الرئاسية ستبقى سيفا مُسلطا على رقاب الشعب الفلسطيني ، وعلى رأسها التعينات ، وفي اغلبها لا معنى لها في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعصف بالشعب العربي الفلسطيني ، باستثناء " عظام الرقبة " ، وهو ما يدل على ان الهدف منها الطاعة وكسب الولاءات لضمان البقاء في السلطة ، فيما غالبية الفلسطينيين تقع تحت وطأة الفقر والبطالة . فما كان مرسوم الانتخابات التشريعية الا ملهاة للشعب ، لصرف الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية الصعبة المحيطة بالمواطنين ، الذين يرون فيها استحقاقا انتخابيا واداة تشريعية ديموقراطية سلمية للتغييروتحسين اوضاعهم ، ولعل التعينات التي تجري على قدم وساق للمجلس الوطني ، تحت مُسمى "المُجمعات الانتخابية" ، واخرها في الكويت والبحرين وقطر، تاتي ضمن ذات السياق ، خاصة وانها استثنت الغالبية العظمى من ابناء الجاليات في البلدان المذكورة ، واختزلت ارادة ابنائها بمن يُقدم الولاء والطاعة ، فعلى سبيل المثال : هناك نحو ستين الف فلسطيني في الكويت ، جرى انتقاء عدد قليل لم يتجاوز المئتين ، لهم الحق في الترشح والتصويت ، فمن قرر اعضاء المُجمع الانتخابي هذا ؟ ومن قرر من له الحق بالانتخاب ؟ ومن قرر اصلا كم مطلوب عددا للمُجمع ؟ الامر الذي اثار غضب واستنكار الغالبية العُظمى من ابناء الجالية الفلسطينية في الكويت ، معلنين رفضهم لمثل هذه الاجراءات التي لا تمت للديموقراطية باي صلة ، والامر المُستهجن في ذلك الامر ، ان من يُشرف عليها هو ياسر عباس العضو في اللجنة المركزية لحركة فتح ، ونجل الرئيس محمود عباس ، وبرفقة احمد عساف المسؤول عن الاعلام الرسمي ، والذي لم يُحالفه الحظ في انتخابات اللجنة المركزية بالمؤتمر الثامن للحركة ، بمعنى ان حركة فتح تُصر على ان تستأثر منفردة ، دون غيرها باجراء انتخابات مجلس وطني لمنظمة التحرير الفلسطينية ، والذي من المفترض ان يُمثل كافة شرائح الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه ، لا حركة فتح وحدها ، ما يؤكد على الاستخفاف بالعقول وتمرير ما هو مُخطط ومُبيت من قبل ، وتكريس شرعية مُتآكلة ، ضمانا لعدم خسارة مصالحهم ، ويُوسع من فجوة الثقة المفقودة بين القاعدة والهرم . على مدار العقدين الماضيين ، لم تُحقق القيادة الفلسطينية المتصارعة على السلطة بسياستها ، باستثناء مصالح فئوية وذاتية ، سوى الخراب والدمار والفقر للشعب الفلسطيني ، صحيح ان تداعيات السابع من تشرين الثاني 2023 كانت كارثية على الشعب الفلسطيني ، ولكن منذ بداية عهد الرئيس محمود عباس حطت على الفلسطينيين انتكاسات عديدة ، اقتتال داخلي قسم الوطن الى شطرين : " الضفة الغربية وقطاع غزة "، ادى الى تراجع كبير في الاقتصاد وخسائر تُقدر بعشرات المليارات ، وفي الضفة الغربية والقدس تضاعف عدد المستوطنين اكثر من اربع مرات ، المقاومة أُطفأت شعلتها وجُردت من مفهومها تحت ذريعة " سحب الذرائع من الاحتلال " ، ارتفعت نسبة البطالة لاكثر من ستين بالمئة ، رواتب القطاع العام واستحقاقات القطاع الخاص تضاءلت وقُطعت ارزاق الكثير من المواطنين ، تحت حجة استيلاء الاحتلال على اموال المقاصة ، فيما لم تجر اي مُحاسبة حقيقية وجادة للفاسدين ، ممن نهبوا اموال الشعب الفلسطيني من المُتنفذين ومن لف لفيفهم ، القضاء بات مُسيسا بايدي من باتوا يغتصبون ولاية الامر ، القطاع الصحي على وشك الانهيار ، القطاع التعليمي من انهيار الى انهيار ومن فشل الى فشل ، وتبدلت معايره ومناهجه لتتوائم وافكار ومفاسد المُستعمر ، شهدائنا واسرانا وجرحانا ومناضلينا باتوا يُصنفون اراهبيين ، حركة فتح التي كانت أمل الشعب في الحرية والاستقلال وكبرى فصائل العمل الوطني ، تصدعت وتشرذمت لصالح مصالح ذاتية للمُتنفذين فيها ، ما ادى الى خسارتها اولا : " في انتخابات 2006 ، ومن ثم فقدت وجودها " كام الجماهير" ، حتى في صفوف كوادرها ، التي خابت آمالها فيها " !! وما زالت القيادة تمضي من فشل الى فشل دون ادنى اكتراث بما يُحيط بابناء الشعب الفلسطيني من كوارث ، من كل بد ستُساعد في تحقيق اهداف الاحتلال بالهجرة الطوعية بحثا عن الكرامة المفقودة في الوطن ، والعيش الكريم خارج الوطن ، وبأقل كلفة لهذا الاحتلال المُتغطرس ، وتُصر القيادة على ان تبقى مُنفصلة عن قضايا وهموم ابناء شعبها وتسعى لتكريس وجودها ، بصرف النظر عن النتائج الكارثية ، مُستخفة بالعقول ، مُختبئة خلف شعار ديموقراطية زائفة من خلال " مُجمعات انتخابية " ، حسب المقاس الذي رتبت له مُسبقا ، في محاولة للهروب من الحقيقة التي سيواجهونها وتُطيح بهم من المشهد . الساسة الفاشلون ما هم الا نتاج منظومة فساد سياسي ، نشأوا وتربوا وترعروا في أروقة النظام ، وجرت العادة في الدول الديموقراطية المُتقدمة ان يتنحى الفاشلين عن السلطة ، تاركين المجال للاقدر والاكفىء لادارة الدفة ، ولكن ثقافتنا العربية ومنها الفلسطينية ، وهي جزء لا يتجزأ منها ، يتمسكون بالسلطة حتى آخر رمق ، بالرغم من فشلهم ، ولا يغادرون الا بالقدر المحتوم ، او بعد نهضة شعبية قد يكون فيها خسائر تزيد من حدة المعاناة ، لكن من كل بد نتيجها ستكون هروب الفاشلين الظالمين تاركين خلفهم وطن مُدمر !!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)