يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [سورة الحج: الآية 38] .
تُعتبر الخيانة—التي يُعبَّر عنها في هذا الزمان بالعمالة، وأهلُها بالعملاء—ظاهرةً من أسوأ الظواهر وأقذرها، وتُعتبر صفةً ذميمةً يشعر أهل الخائن بالخزي والعار، ويعتبرون ابنهم الخائن مصدر تشويهٍ لسمعة العائلة وشرفها الذي تعتز وتفتخر به.
عُرِف ذلك ليس فقط عند المسلمين، وإنما هي كذلك عند سائر الأمم منذ قديم الزمن. ولا يجد الخائن من يُثني عليه أو يمدح فعله إلا من هو من فصيلته، أو شريكٌ معه في قبح فعله وسوء ظاهره وباطنه.
وقد اشتهر من بين أحداث التاريخ "أبو رغال" كأبشع صورةٍ من الصور التي أصبحت فيما بعد مسبّةً في وجهه، ولم يُعرَف نسبه، وإنما تبرّأ منه القريب والبعيد على حدٍّ سواء عبر التاريخ.
ستجد أن للعملاء دورًا في تسهيل عمليات القتل والسيطرة للعدو على أهل الوطن المعتدَى عليه. وللعلم، فإن أكثر من اتصفوا بهذا الوصف القبيح عبر التاريخ القديم والحديث هم اليهود؛ فقد خانوا نبي الله موسى، وخانوا نبي الله زكريا، وقتلوا نبي الله يحيى، وقتلوا أنبياء كثيرين بلا ذنبٍ ولا جَريرة. فقد أورد ابن كثير في تفسيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار". وقد غدروا بالنبي محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وحاولوا قتله مرارًا، ونقضوا عهده، وتآمروا عليه؛ فهم أهل غيلةٍ وغدرٍ وخيانة، ولذلك تجدهم دائمًا وأبدًا تظهر هذه الخصلة الشنيعة فيهم كلما كانوا في مجال العهد أو الميثاق. ولأنهم كذلك، فقد كرهتهم كل الأمم؛ فقد غدروا في الأشوريين، فقتل الأشوريون منهم أعدادًا كبيرة وأسروا أعدادًا أخرى. وفي العصر الحديث، غدروا بالثورة الجزائرية، وغدروا بهتلر مجرم الحرب، وغدروا بأوروبا حليفتهم، وكرهتهم أمريكا قبل أن تُوجَد، وهكذا دواليك؛ فلا يساندهم أو يدعمهم إلا شريكٌ معهم في الإجرام وسفك الدماء.
مصيبتنا نحن أبناء فلسطين أن ظهر من بين أبناء شعبنا الطاهر لوثةٌ أصابت بُضعةً من جسد هذا الشعب العظيم—لوثة الخيانة (العمالة)—التي أصبحت وجعًا رغم ضآلتها، يُؤلِم سويداء القلوب؛ لأنه شعبٌ تمرَّس على الشرف، فباعه هؤلاء الأوغاد بثمنٍ بخسٍ، والعزة، فاستبدلوا بدلاً منها الذلة والخسة والهوان. والكرامة فقدوها لأول وهلةٍ حطّت فيها أقدامهم النجسة في هذا المستنقع العفن. لم يبالِ هؤلاء بحسرة أهلهم، وغضب شعبهم، وسخط ربهم. لم يبالِ هؤلاء بالمستقبل الوضيع الذي ينتظرهم، حيث سيسقطون حتمًا في مستنقعٍ أركانه ما ذكرنا من الذلة والندالة والخسة والهوان.
التعليقات (0)