ذهبتُ إلى مبنى تلفزيون فلسطين لأتحدث عن كتاب، فخرجت منه وفي ذهني كتاب آخر. كانت الدعوة إلى برنامج "مشاهد" الذي تديره الإعلامية والكاتبة ياسمين الشملاوي، للحديث عن كتابي "السردية الفلسطينية الكبرى". وكان البرنامج قد استطاع أن يصنع لنفسه مساحة ثقافية تستضيف الكتّاب والمثقفين، وتقترب من تجاربهم عبر حوار لا يكتفي بالعنوان الظاهر، وإنما يترك للكلمة فسحة كي تفتح أبوابًا أخرى.
يومها كانت "السردية الفلسطينية الكبرى" هي الضيف. لكن الكتب، فيما يبدو، تعرف كيف تستدعي بعضها.
بدأ الحوار بالسردية، بمخاضها الطويل، وبالسؤال الذي حملته بين صفحاتها: كيف تستعيد فلسطين روايتها الممتدة في التاريخ والجغرافيا، وتجمع شذراتها في بناء واحد قادر على مواجهة رواية النقيض؟ وتشعب الحديث كما تفعل الحوارات حين يعثر السؤال على سؤال آخر، حتى انتهى اللقاء التلفزيوني، وبقي هامشه مفتوحًا للكلام.
وكان في أسئلة ياسمين الشملاوي عن "السردية الفلسطينية الكبرى" ما يستوقفني؛ أسئلة ذكية، سائرة إلى غاياتها من غير دوران، وعميقة من غير استعراض، لا تقف عند ظاهر الإجابة، بل تنفذ منها إلى سؤال آخر كأنها تبحث عما وراء الفكرة بقدر بحثها عن الفكرة نفسها. ولم أكن يومها قد قرأت لها قصة، لكنني كنت، من حيث لا أدري، أتعرف إلى العقل الذي سيكتب "خبز بارد".
وحين أخبرتني، بعد اللقاء، بعنوان مجموعتها، بدا الأمر لاحقًا أكثر قابلية للفهم: فالذهن الذي كان يلتقط في السردية خيوطها الخفية، ويذهب بالسؤال إلى ما وراء المعلن، هو ذاته الذي استطاع أن يلتقط من تفصيل يومي بالغ البساطة - رغيف فقد حرارته - عنوانًا يختزن حربًا وحياةً ونجاة. كأن ذكاء السؤال وذكاء العنوان خرجا من منبع واحد: عين ترى وراء الظاهر ما لا يقف عنده النظر العابر.
وهناك، في مبنى تلفزيون فلسطين، عرفت بكتاب لم يكن قد ولد ورقيًا بعد. حدثتني ياسمين الشملاوي عن مجموعة قصصية تستعد لإصدارها قريبًا، وقالت اسمها: "خبز بارد".
التعليقات (0)