لم تكن العملية الإسرائيلية في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، في الأول من سبتمبر/أيلول، مجرد عملية أمنية لاستهداف مسؤول في جهاز الأمن الداخلي، بل حملت في توقيتها ونتائجها أبعادًا سياسية تتجاوز حدود الاشتباك الميداني. فبين اعتقال مسؤول أمني بارز، والقصف الجوي الكثيف الذي رافق العملية، تبرز أسئلة أكبر تتعلق بقدرة اتفاق وقف إطلاق النار على الصمود، وحدود العمليات الإسرائيلية داخل القطاع، ومدى ارتباط التطورات الميدانية بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل.
خطورة العملية لا تكمن فقط في هوية الشخص المستهدف، وإنما في أنها جرت داخل منطقة سكانية مكتظة خلال فترة يفترض أنها تخضع لترتيبات وقف إطلاق النار. وهنا تتحول الحادثة من واقعة أمنية محدودة إلى اختبار جديد للاتفاق الذي يتحول تدريجيا الي إدارة الصراع.
من هذه الزاوية، تكشف عملية الكتيبة عن هشاشة الترتيبات القائمة أكثر مما تكشف عن استقرارها. فإذا كانت إسرائيل تحتفظ بالقدرة والاستعداد لتنفيذ عمليات خاصة داخل مناطق مأهولة، وتستخدم القوة الجوية لحماية قواتها عند انكشافها، فإن ذلك يعني أن وقف إطلاق النار لم يؤدِّ بعد إلى إنهاء البيئة الأمنية التي أنتجت الحرب، بل نقل جزءًا من المواجهة من العمليات العسكرية الواسعة إلى العمل الاستخباري والأمني المحدود.
وفي المقابل، فإن رد الفعل الفلسطيني يحمل دلالة سياسية أيضًا. فالعملية أظهرت أن الأجهزة الأمنية في غزة ما زالت قادرة، ولو جزئيًا، على اكتشاف تحركات قوة إسرائيلية والاشتباك معها، لكنها أظهرت كذلك هشاشة البيئة الأمنية أمام التفوق الاستخباري والعسكري الإسرائيلي.
وقد أكدت وزارة الداخلية في غزة أن استهداف جهاز الأمن الداخلي يمثل محاولة لإضعاف المنظومة الأمنية ونشر الفوضى، وطالبت الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار بالتدخل.
التوقيت السياسي للعملية لا يقل أهمية عن بعدها الأمني. فإسرائيل تتجه إلى انتخابات عامة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، فيما يخوض بنيامين نتنياهو معركة سياسية معقدة للحفاظ على موقعه داخل معسكر اليمين. وتواجه حكومته منافسة من أحزاب وشخصيات يمينية تسعى إلى استقطاب القاعدة نفسها، ما يجعل الأمن وقطاع غزة تحديدًا عنصرًا مركزيًا في الخطاب الانتخابي.
التعليقات (0)