في أحلك أوقات العتمة وأشد محطات المحنة، وحين كانت الأرض تمتد خائفة تحت أقدام الجميع في قطاع غزة ، برز عطاء الكوادر الطبية التي رفضت السقوط أو المساومة على أرواح البشر. إنهم الجيش الأبيض بمختلف تخصصاتهم وميادين عملهم؛ أولئك الذين أداروا معركة الحياة في مواجهة الموت، وكتبوا بدم شهداء الطواقم وعرق المنهكين ملحمةً إنسانية ووطنية ستظل خالدة في ذاكرة التاريخ، ولم تكن المستشفى بالنسبة لهم مجرد مكان عمل، بل كانت ثغراً من ثغور الوطن وصرحاً للصمود التحمت فيه التضحية بالواجب، ليكونوا بحق الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها أهوال الأزمة الإنسانية غير المسبوقة، مقدّمين أبهى صور العطاء تحت القصف المستمر وفي ظل شلل الإمكانيات وانعدام أسباب الحياة.
غير أن هذه الملحمة العظيمة، وما أفرزته الحرب من واقع ميداني معقد، تفرض علينا اليوم وقفة جادة ومسؤولة، تمليها الأخلاق المهنية والغيرة النقابية على بيتنا الداخلي، فلقد أطلت بوادر ظاهرة غريبة عن ثقافتنا وأصالتنا، تمثلت في نشوء بعض أشكال التمييز اللفظي والإداري بين كوادرنا الصحية؛ بين من كتب الله لهم الصمود في مستشفيات الشمال وغزة، وبين من اضطرتهم ظروف العدوان والتهديد المباشر لحياة أطفالهم وعائلاتهم للنزوح نحو مناطق الوسطى والجنوب.
وهنا تبرز الحاجة الملحة لقراءة الواقع بعيون إنسانية وأخلاقية منصفة؛ فالنزوح لم يكن يوماً خياراً للرفاهية أو فراراً من الواجب، بل كان حركة قسرية فرضتها المأساة وشلال الدماء، وإن الموظف الصحي ليس مجرد رقم وظيفي أو آلية صماء، بل هو إنسان يحمل قلباً ومشاعر، وعليه التزامات أسرية وأخلاقية تفرضها العاطفة والفطرة الإنسانية السليمة، فلقد وجد الكادر الصحي نفسه في لحظات القصف والإخلاء أمام مفاضلة قاسية وتنازع وجداني مرير بين واجبه المهني تجاه جرحى الوطن، وواجبه الفطري الأخلاقي حيال حماية أطفاله وأهله وتجنيبهم الموت المُحقّق، خاصة حين يكون هو المعيل الوحيد والسند الأخير لعائلته وسط أوضاع تشرد واعتداء غير مسبوقة؛ إن حماية الأسرة ورعايتها ليست مجرد ضرورة، بل هي واجب ديني وأخلاقي وموقف إنساني يشرّف صاحبه ولا ينتقص من وطنيته ومهنيته شيئاً، وما إن أَمَّنَ هؤلاء الكوادر أسرهم في أماكن النزوح، حتى تسارعوا بضمير حي ونبيل للالتحاق بالمستشفيات والنقاط الطبية الميدانية، ليواصلوا معركة إنقاذ الأرواح جنباً إلى جنب مع زملائهم وتحت ذات الظروف القاسية.
وحتى ننصف جميع الكوادر وننهي أي جدل في هذا الشأن، يتوجب تناول القضية من كافة أبعادها المهنية والحقوقية والقانونية. فالإنسان طاقات وضغوط، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومن المنطلق القانوني والنقابي، نؤكد أن معيار تقييم أي موظف صحي في التشريعات وقوانين الخدمة المدنية المعمول بها هو مدى التزامه وتأديته لمهامه ومسؤولياته؛ وبما أن الموظف النازح قد التحق فوراً بمرفق صحي في مكان نزوحه وقدم خدماته بكل إخلاص، فإن واجبه يُعد كاملاً ومستوفياً لكافة الشروط الحقوقية والمهنية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة للتمييز بين الزملاء بناءً على المربع الجغرافي تُعد تجاوزاً قانونياً وانتهاكاً صارخاً للحقوق والمبادئ الأخلاقية، وإن هذا السلوك مرفوض قطعياً، ولا يمكن قبول أي محاولات للتقليل من شأن هذه الكوادر أو ممارسة أي تمييز إداري أو مالي ينعكس على صرف العلاوات، أو المكافآت، أو الترقيات؛ فالحقوق المادية والمعنوية مكفولة بالقانون وحمايتها واجب لا تهاون فيه، وهذا يتطلب من وزارة الصحة والإدارات المعنية العمل فوراً على تنظيم وثائق رسمية وسجلات ميدانية تثبت دوام الموظفين النازحين وضبط ملفاتهم لضمان عدم ضياع حقوقهم الوظيفية مستقبلاً.
إن قوة القطاع الصحي تكمن في وحدته وتماسكه، وإيجاد الفجوات أو اعتماد لغة التشكيك والتفاضل بين أبناء المهنة الواحدة يضعف البيئة الداخلية ويضرب الروح المعنوية في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للترابط والتكامل؛ إن كل طبيب وممرض وصيدلي وفني واخصائي وإداري وموظف خدمات ...قدم جهده، سواء في الشمال أو الوسط أو الجنوب، وهو قامة وطنية تُحترم؛ فالتضحيات لا تُقاس بالمكان فحسب، بل بالنية الشريفة والإصرار على إنقاذ الأرواح من بين الركام.
التعليقات (0)