في ظل التحوّلات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية، يبرز الاستيطان بوصفه أحد أخطر التحديات التي تهدد الأرض والوجود الفلسطيني معاً. فعلى الرغم من استمرار الرفض الدولي الرسمي والقانوني للاستيطان، والتأكيد على عدم شرعيته ومخالفته لقواعد القانون الدولي، فإن التوسع الاستيطاني المتواصل على الأرض، وما يرافقه من اعتداءات وإرهاب تمارسه ميليشيات المستوطنين بهدف تهجير الفلسطينيين، يثير مخاوف متزايدة من تحوّل هذا الواقع إلى أمر واقع يصعب تغييره. ولا تقتصر خطورة ذلك على مصادرة الأراضي وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، بل تمتد إلى تقويض مقومات قيام الدولة الفلسطينية وتهديد فرص تحقيق حل الدولتين، بما يجعل الاستيطان تحدياً مباشراً لمستقبل القضية الفلسطينية ولإمكانية الحفاظ على الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية على أرضه.
وفي ظل توسع الاستيطان وتعمّق الوقائع التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي على الأرض تزداد الحاجة إلى تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، ليس فقط من خلال المواقف السياسية والقانونية، وإنّما أيضاً من خلال بناء الإنسان الفلسطيني وتعزيز قدراته، عملاً بالقاعدة التي تقول "أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان".
في فلسطين .. يُشكّل تمكين الكفاءات الوطنية استثماراً مباشراً في الصمود وفي القدرة على بناء المستقبل. فالانسان الفلسطيني هو الثروة الأكثر استدامة، وما يمتلكه من معارف ومهارات وخبرات يمكن أن يشكل أساساً لمواجهة الظروف الصعبة والحفاظ على قدرة المجتمع على الإنتاج والتطور رغم القيود والتحديات.
إن الاستثمار في الإنسان يعني تطوير التعليم ودعم الجامعات والبحث العلمي وتعزيز التدريب المهني والتقني وتمكين الشباب وخلق فرص العمل والاستفادة من الطاقات والكفاءات الوطنية في مختلف المجالات. كما يعني توفير بيئة مؤسساتية تشجع على الإبداع والمبادرة وتمنح أصحاب الكفاءة فرصة حقيقية للمشاركة في بناء المجتمع وصناعة القرار.
وفي المقابل، فإن إهدار الكفاءات وإحباطها ومحاربتها ودفعها إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل يمثل خسارة وطنية مضاعفة. فكل كفاءة فلسطينية يتم تمكينها داخل الوطن هي إضافة إلى قدرته على الصمود، وكل طاقة يتم تهميشها هي فرصة ضائعة في معركة بناء المستقبل.
يحتاج الاستثمار في الإنسان إلى بيئة سياسية ومؤسساتية قادرة على احتضان هذا الاستثمار. ولذلك فإن أي مرحلة سياسية مقبلة، وفي حال إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، يبنغي أن تكون فرصة لمراجعة جادة وعميقة للسياسات والأداء بما يعزز الثقة بالمؤسسات ويستجيب لأولويات المجتمع واحتياجاته، فالاستقرار الاجتماعي يشكل المقدمة الأساسية لأي استقرار سياسي مستدام. ولا يمكن بناء مجتمع قادر على مواجهة تحديات الاستيطان والاحتلال في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.
التعليقات (0)