الأربعاء 02 سبتمبر 2026 11:41 صباحًا - بتوقيت القدس
شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية في الربع الأخير من عام 2023 ومطلع عام 2024 إطلاق خطة وصفت بأنها الأجرأ والأكثر تطرفاً منذ عقود؛ حيث أعلن وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، عن مخطط علني لـ"تهويد النقب والجليل" من خلال إنشاء 40 إلى 50 مستوطنة جديدة وعشرات المزارع الرعوية الاستيطانية- وهي أداة استعمارية مستحدثة تهدف للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي بأقل عدد من الأفراد وخنق التوسع العربي- بغرض جلب مليون مستوطن يهودي إضافي لهاتين المنطقتين. وتأتي هذه الخطة كحلقة جديدة في سلسلة ممتدة من المحاولات التاريخية الهادفة لكسر التفوق الديمغرافي العربي، مستندة إلى واقع إحصائي راهن، وحسابات انتخابية ضيقة، وسط معارضة إسرائيلية وتنديد عربي ودولي واسع.تنطلق خطة سموتريتش من هاجس ديمغرافي تقيسه الدوائر الإسرائيلية بقلق متزايد، نظراً للتوزيع السكاني الراهن في منطقتي الجليل شمالا والنقب جنوبا. ففي منطقة الجليل، يشكل المواطنون الفلسطينيون نحو 53% إلى 54% من إجمالي السكان، مما يمنحهم أغلبية عددية وثقلاً ديمغرافياً مستمراً فشلت السياسات الحكومية الإسرائيلية المتعاقبة في كسرها. أما في منطقة النقب جنوباً، فيمثل الفلسطينيون العرب البدو ما يقارب 25% إلى 30% من مجمل سكان المنطقة (بما يتجاوز 320 ألف نسمة)، ويتميزون بمعدل نمو طبيعي مرتفع. ويتوزع هذا الوجود السكاني بين بلدات قائمة و46 قرية "مسلوبة الاعتراف" ترفض السلطات الإسرائيلية تزويدها بالبنية التحتية والخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، مما يجعلها البؤرة المستهدفة مباشرة بمخططات الإخلاء والتهجير لصالح المشاريع الاستيطانية الجديدة.توضح القراءة التاريخية أن خطة سموتريتش ليست مبتكرة، بل تحديث لمشاريع صهيونية متعاقبة منذ النكبة لتهويد منطقتي الجليل والنقب، والتي تراوحت نتائجها بين الفشل والنجاح؛ فبينما أخفق مشروع "تطوير الجليل" عام 1975 ديمغرافياً بتحول مدنه إلى مدن مختلطة بعد أن فجرت مصادراته انتفاضة "يوم الأرض"، تمكن مشروع "المراصد" أواخر السبعينيات من النجاح في بناء بؤر استيطانية قطعت التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية وحاصرت تمددها العمراني، وفشلت خطة "الجليل 2000" لتوطين المهاجرين الروس لتفضيلهم مدن المركز.وفي النقب، توازت مخططات التهويد مع الشمال عبر سياسات تهجيرية تاريخية، بدأت بسياسة "السياج" في العام 1951 إبان الحكم العسكري التي حصرت الفلسطينيين في 10% فقط من أراضيهم وحولت الباقي لقواعد عسكرية ومدن استيطانية، ثم تلاها مخطط "برافر- بيغن" (2011-2013) لمصادرة مئات آلاف الدونمات وتهجير عشرات الآلاف، والذي أُحبط بفضل "هبّة برافر" الشعبية رغم استمرار جوهره عبر "الهدم الصامت"، كما امتدت هذه الاستراتيجية لتشمل نقل معسكرات الجيش والمجمعات التكنولوجية إلى النقب؛ لجذب النخب اليهودية وخلق واقع ديمغرافي واقتصادي يطمس الوجود العربي.يرتبط توقيت إعادة إحياء هذه المشاريع الاستيطانية باقتراب انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026، حيث يوظفها سموتريتش، بغطاء من نتنياهو، كطوق نجاة سياسي لإنقاذ حزبه "الصهيونية الدينية" من الغياب بعد تراجعه في استطلاعات الرأي دون نسبة الحسم، مستهدفاً دغدغة مشاعر اليمين القومي ومنافسة شريكه اللدود إيتمار بن غفير عبر نقل أدوات السيطرة والمزارع الرعوية من الضفة الغربية إلى داخل حدود عام 1948. ويتكامل هذا المسعى مع ممارسته الابتزاز السياسي الاستباقي باشتراط السيطرة الكاملة على "إدارة التخطيط" و"سلطة أراضي إسرائيل" كشرط لدخول أي ائتلاف حكومي قادم؛ لضمان تعيين مسؤولين موالين يفرضون التهويد كأمر واقع دون أي كوابح قانونية أو بيروقراطية.تنطلق المعارضة الإسرائيلية في رفضها لخطط سموتريتش من دوافع أمنية، واقتصادية، ودبلوماسية براغماتية وليست حقوقية؛ إذ تحذر من أن استنساخ نموذج الاستيطان في الضفة وتطبيق "التهويد الفج" يهدد بإدخال إسرائيل في عزلة دبلوماسية غير مسبوقة عبر توسيع العقوبات الغربية والأمريكية ضدها. كما يرى قادة المعارضة الأمنيون أن سياسات خنق وتطويق البلدات العربية قد تُفجّر مواجهات داخلية عنيفة واضطرابات شعبية تشكل خطراً استراتيجياً على الجبهة الداخلية، فضلاً عن كون تخصيص ميزانيات ضخمة لتمويل هذه البؤر العشوائية يمثل تبديداً لأموال دافعي الضرائب وتعميقاً للأزمة الاقتصادية والعجز المالي المتصاعد.تواجه خطة سموتريتش لتهويد النقب والجليل رفضاً دولياً حاداً وضغوطاً متصاعدة من القوى الغربية والمنظمات الأممية، التي ترى في نقل أدوات الاستيطان إلى داخل حدود عام 1948 تهديداً للاستقرار وتقويضاً لالتزامات إسرائيل الدولية، وتزامن ذلك مع اتساع رقعة العقوبات الغربية ضد اليمين المتطرف. كما تُحذر الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية من أن سياسات الإخلاء القسري وتدمير القرى وحرمان البلدات العربية من التوسع تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي ترقى إلى التمييز العنصري الممنهج (الأبارتهايد)، مما يهدد بملاحقة إسرائيل قضائياً ويعزز عزلتها الدبلوماسية في المحافل الدولية.تعود "خطة سموتريتش" الحالية إلى جذورها في "الصهيونية العلمانية التقليدية" (حزب العمل والليكود تاريخياً)، مما يعني أن المشروع الاستيطاني هو مشروع بنيوي للدولة وليس وليد اللحظة السياسية الراهنة أو مرتبطاً بالحكومات اليمينية المتطرفة فحسب.وفي هذا السياق، يُشكل مخطط سموتريتش ذروة الصعود اليميني لحسم الصراع الديمغرافي والجغرافي داخل حدود عام 1948، إلا أنه يصطدم بكوابح ترسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبله؛ يرجح الأول نجاحاً جزئياً وقضماً صامتاً للأراضي عبر استغلال النفوذ الوزاري لمحاصرة البلدات العربية وتقطيع تواصلها؛ ويتوقع الثاني فشل المخطط وانكساره أمام الصمود الشعبي والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تجعل تمويله غير مستدام؛ في حين يستشرف الثالث تفجراً أمنياً داخلياً وعزلة دولية شاملة بفعل سياسات الخنق والتطهير العرقي الصامت.إن مستقبل النقب والجليل سيبقى رهناً بمدى قدرة الفلسطينيين في الداخل على تنظيم أدوات مواجهتهم الشعبية والقانونية، ومدى تماسك الجبهة المعارضة لهذه الفاشية السياسية التي باتت تهدد بتفجير المشهد من الداخل.
من سياسة السياج إلى خطة سموتريتش: معركة الجغرافيا والديمغرافيا في الجليل والنقب
إسماعيل مسلماني : مختص بالشأن الاسرائيلي
عصام بكر : عضو المجلس الوطني الفلسطيني
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
التعليقات (0)